الاثنين، 30 مارس، 2015

عبد الوهاب المسيري العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة. تأملات في المنهج والمقصد

عبد الوهاب المسيري
العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة.
تأملات في المنهج والمقصد
      يعتبر الكتاب حلقة ضمن مشروع أوسع رام من خلاله المفكر العربي البارز عبد الوهاب المسيري تناول موضوع العلمانية بالدرس والتحليل من جوانبها المختلفة التاريخية والمعرفية والإنسانية، والحلقات الثلاث المقصودة هي:
-الحلولية ووحدة الوجود باعتبارها مقدمات العلمانية.
-العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، وهو الكتاب الذي بين أيدينا وهو أهم حلقة دراسية في المشروع، حسب الكاتب نفسه.
-ما بعد الحداثة باعتبارها ثمرة العلمانية الشاملة.
      والكتاب عبارة عن مرافعة فكرية وعلمية ثاقبة، استطاع من خلالها الرجل أن ينافح عن أطروحته ويثبت صدقيتها بكل جدارة واستحقاق، والأطروحة تتمثل في تأكيد وجود علمانيتين اثنتين متكاملتين غير منفصلتين وهما: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، وهو يرى أن الخلط بينهما وعدم تبيُّن الفروق الفاصلة أحد الأسباب الرئيسة للمعارك الوهمية التي خاضها ويخوضها "الفكرانيون" تحت يافطات المحافظة أو التحديث كليهما.
      يقول: "يوجد في تصورنا علمانيتين لا علمانية واحدة، الأولى جزئية ونعني بها العلمانية باعتبارها فصل الدين عن الدولة، والثانية شاملة ولا تعني فصل الدين الدولة وحسب وإنما عن الطبيعة وعن حياة الإنسان في جانبيها العام والخاص، بحيث تنزع القداسة عن العالم ويتحول إلى مادة استعمالية يمكن توظيفها لصالح الأقوى"[1].
      وإذا كان تطور العلمانية في الغرب قد انطلق من الأولى التي تتميز بسمات إجرائية وذات رؤية جزئية للواقع، فإنه آل في نهاية المطاف إلى الأخيرة التي تعبر عن رؤية شاملة للعالم ذات بعد معرفي كلي، لكن هذا التطور ليس عبارة عن طفرة بقدر ما هو تراكم أخذ شكل متتالية: بدأت جزئية مقصورة على المجالين السياسي والاقتصادي مع وجود بقايا لمطلقات مسيحية ومعيارية إنسانية ومع ضعف وعجز قطاعي اللذة والإعلام عن اقتحام كل مجالات الحياة، وانتهت في المراحل الأخيرة إلى تغول الدولة ووسائل الإعلام مع تهميش للإنسان وسيادة النسبية الأخلاقية وهي سمات العلمانية الشاملة[2].
      وقد وظف صاحبنا أدوات منهاجية متعددة تنم عن جهد كبير واطلاع واسع ومعرفة خابرة بالمسألة موضوع النقاش، وأُجمل شواهد هذا المنهج في السمات التالية:
-الاستقصاء والتتبع: فالكتاب يكشف عن التبحر الواسع للرجل في علوم متعددة واطلاع على كتابات شتى تجعل وسم عمله بالموسوعة مكافأة يسيرة.
-القراءة والعرض:يظهر مقدرة الرجل عظيما على استعراض الآراء المختلفة للفلاسفة والمفكرين الغربيين والعرب على حد سواء من خلال مكتوباتهم المتعددة.
-التفكيك والنقد: لا يكتفي باستعراض الأقوال والمذاهب المختلفة، بل يُعمل فيها معول التشريح والتحليل، كاشفا عن أغوارها ومفسرا لعويصها ومقربا لبعيدها.
-الاستنتاج والتركيب: بحيث يسعى إلى تركيب خلاصات المقاربات المتعددة لبناء نموذج تحليلي مرجعي لقضية العلمانية يتأسس على متتالية آخذة في التحقق وليس مجرد فكرة سكونية ثابتة.
      وقد جهد د.المسيري أيضا في استحداث جهازي  مفهومي خاص به ساعده كثيرا في مسك تلابيب الموضوع والتحكم في تمفصلاته الشديدة التعقيد، كما أظهر براعة نادرة في نحت المفاهيم واستحداثها، ومن بين أهم تلك المفاهيم: "العلمنة البنيوية الكامنة" و"الإنسان الوظيفي" و"الحوسلة" وغيرها.
      وبالرغم من كل هذه العُدة المعرفية والمنهجية المتميزة فإن الكاتب قد سقط في فخ  التعميمات النمطية والمبالغات غير حميدة، وأخص بالذكر سعيه الحثيث لإدانة الحضارة الغربية عن بكرة أبيها بحيث  كدَّ في إظهارها حضارة وثنية كمونية من خلال اختزال فلسفاتها في مقولات جامدة، واختصار أراء مفكريها في كلمات محدودة لا تسمن ولا تغني من جوع، وذلك ليتسنى له الحكم عليها وإدانتها ونعتها بالسطحية في التحليل والضحالة في التفكير.
      لكن الكتاب لا غنى لكل من أراد الإحاطة بمسألة العلمانية في الوطن العربي وتفاعلاتها المختلفة وكذا التبصر بجذورها التاريخية والفلسفية.
     



[1]- عبد الوهاب المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة. ص16.
[2] -المرجع نفسه ص222.

الأربعاء، 25 مارس، 2015

بيان مُشكل الأحاديث لأبي بكر محمد بن فورك ملاحظات على طبعة الألماني: رايمند كوبرت

بيان مُشكل الأحاديث لأبي بكر محمد بن فورك
ملاحظات على طبعة الألماني: رايمند كوبرت
      تعبر طبعة رايمند كوبرت لكتاب "بيان مشكل الأحاديث" أقدم طبعة للكتاب، وقد رأت النور في روما، وعلى وجه الدقة في الفاتيكان سنة 1941 [1]،  لكنها طبعة ناقصة إذ اعتمد المحقق على نشر "نخبة مختارة"[2] بعناية من الكتاب الأصلي، ورغم ذلك فإنها طبعة نقدية ممتازة بالمقارنة مع عدد من الطبعات التي تلتها والتي اعتورتها الكثير من المثالب مثل الأخطاء والتحريفات بالإضافة على اعتماد مخطوطة واحدة.
      تتضمن طبعة الكتاب مقدمة المؤلف كاملة وبعض الفصول المختارة بعناية والمفصحة عن منهج الرجل في تأويله للأحاديث النبوية المُهِمة للتشبيه، ورغم الجهد الكبير الذي بذله المحقق في مقابلة النسخ وتصحيحها فإنه لم يبذل جهدا يذكر على مستوى تخريج الآيات والأحاديث والأشعار ونسبتها إلى أصحابها مما هو عادة من جهود المحققين. كما أن مقدمة التحقيق رغم قصرها شابها الكثير من الاعتلال:
      ظهر ذلك أولا في كم الأحكام الاستشراقية النمطية التي تطفح بها ، فهو يعتبر أن تصور الفكر الإسلامي عموما والفكر الكلامي خصوصا للإله هو فكر مغرق في الرَثَاثة والضحالة مقارنة مع الفكر المسيحي، يقول عن جهود ابن فورك في تأويل الأحاديث المتشابهة: "لعلنا نستطيع بالمنظور الشامل فهم التطور الأشعري، من وجهة النظر الإسلامية أيضا، على أنه تطور فكري صحي اقترب به أكثر الإسلام من مستوى ارتقاء الفكر المسيحي عن الإله"[3]. وهذه الصورة النمطية المقابلة بين المسيحية والإسلام على أساس أن الدين الأول متطور بينما الثاني مجدب وقاحل بخصوص التصورات اللاهوتية هو لب الرؤية الاستشراقية المسكونة بالمقابلة الجوهرية بين الشرق والغرب/ الإسلام والمسيحية. 
      وليس هذا وحسب بل إن ثمة حكما استشراقيا آخر مرتبط بالصورة النمطية الأولى ويتأسس على أن العديد من الأفكار المسيحية اللاهوتية قد تسربت إلى المنظومة الإسلامية في غفلة من أهلها وأصبحت جزءً من التصورات الإسلامية، وهذه التسربات هي التي أضفت على الإسلام وجهه المشرق، يقول بصيغة توكيدية لا تقبل الجدل: "من المعلوم أن الإسلام قد دخل إليه في زمن انتشاره العاصف بعض الأفكار المسيحية دون أن يلاحظ ذلك علماء المسلمين"[4].
      ثم إنه لا يتورع أن يصف بكثير من الفضاضة الأحاديث المشكلة التي توهم التشبيه بأنها "أحاديث مظلمة"، ويكرر ذلك في مواضع كثيرة من تقديمه للكتاب، مما يشي بنوع من الإصرار المتعمد.
      وتظهر الاعتلالات كذلك في عدم قدرة المحقق على فهم النصوص التاريخية المتعلقة بحياة المؤلف، ثم إنه لا يكتفي بذلك بل يبني على فهمه الخاطئ أحكاما يطيش لها العقل، ومن ذلك القصة التي وردت في مصادر ترجمة ابن فورك المتعلقة بمحنته، سأسرد الواقعة التي يرويها تلميذه أبو القاسم القشيري ثم اتبعها بتعليقات السيد المحقق ليتبين لنا مدى سوء الفهم الذي وقع فيه الرجل ومدى التعسف في التأويل المنبني على سوء الفهم.
      أورد تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية في ترجمة ابن فورك ما يلي: "وقال الأستاذ أبو القاسم القُشيري تلميذه، سمعت الإمام أبا بكر بن فورك يقول: حُملت مقيَّدا إلى شيراز لفتنة في الدين، فوافيت باب البلد مُصبحا، وكنت مهموم القلب، فلما أسفر النهار وقع بصري على محراب في مسجد على باب البلد مكتوب عليه )أليس الله بكاف عبده( وحصل لي تعريف من باطني أني أُكفى عن قريب، فكان كذلك"[5].   
      يعلق صاحبنا على هذه الواقعة قائلا: "في هذا التقرير يظهر ابن فورك في صورة غريبة: فهو في الوقت نفسه حارس مساجين في قضايا الزندقة والكفر ورجل التدين العميق"[6] ترى أين يظهر في النص أن ابن فورك كان حارس مساجين اللهم إلا في خيال المحقق، ومن ثمَّ يستغرب كيف يجمع الرجل بين أمرين متناقضين هما التعصب الديني والإيمان الصادق، يقول: "هذا الجمع الغريب، الذي يبدو لنا نحن أبناء اليوم عسيرا على الفهم، لا تقبل الجمع كالتعصب الديني والإيمان الصادق"[7].
      هذه فقط بعض الملاحظات المتعلقة بمجموعة من الأحكام النمطية وسوء الفهم الذي وقع فيه المحقق الناتج عن ترسخ الرؤية الاستشراقية عميقا في أعمال الغربيين المتعلقة بالحضارة الإسلامية، وإلا فإن الرجل قد بذل جهدا طيبا في المقابلة بين النسخ المختلفة للكتاب في هذه النخبة المختارة منه الشيء الذي جعل عمله متميزا.
     
       




[1] -دانيال جيماريه، مقدمة تحقيق كتاب "كتاب مشكل الحديث أو تأويل الأخبار المتشابهة" لأبي بكر محمد بن فورك. طبعة المعهد الفرنسي للدراسات العربية-دمشق 2003. ص م1.
[2] -رايموند كوبرت، مقدمة تحقيق كتاب "بيان مشكل الحديث" لأبي بكر محمد بن فورك، ترجمة: محمود كبيبو. الوراق للنشر 2012. ص7.
[3] -المرجع نفسه ص13.
[4] -المرجع نفسه ص17.
[5] -تاج الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى. تحقيق: محمود محمد الطناحي وعبد الفتاح الحلو. مطبعة عيسى البابي الحلبي، الطبعو الأولى 1964. 4/130.
[6] -المرجع نفسه ص25.
[7] -المرجع نفسه ص26.

الاثنين، 23 مارس، 2015

القدر في ضوء الكتاب والسنة محمد فتح الله كولن

القدر في ضوء الكتاب والسنة
محمد فتح الله كولن
      خاض الكاتب في مؤلفه هذا لُجَّة حارقة وموضوعا صعبا، فرغم أن القدر من أكثر المسائل التي ركَّز عليها القرآن والسنة فالواقع أن المسلمين كانوا "يتحرجون من الخوض فيه"[1]، لكن طريقة معالجة الرجل للموضوع اتسمت بنوع من البساطة المدهشة، فغرضه الأساس هو تيسير الصعب وتقريب المشكل العويص ليكون في متناول العموم خصوصا إذا علمنا أن الماديين وجدوا في "مسائل القدر كأنها موضع هش للهجوم"[2] على تصورات الإسلام والمشاغبة عليه وخلخلة عقائد العامة.
      والكتاب عبارة عن أربعة فصول، الثلاثة الأولى منها عبارة عن "جامعة لسلسة المواعظ والدروس التي ألقاها ارتجالا العالم الجليل محمد فتح الله كولن، وسُجلت مباشرة على أشرطة التسجيل، ثم حُوِّلت إلى أسلوب الكتابة وعُرضت على الأستاذ المؤلف. وبعد إجراء التصحيح والتشذيب" المناسبين تم نشرها، أما الفصل الرابع "فهو فصل الأجوبة عن الأسئلة التي وُجهت إلى الأستاذ الفاضل بوسائل مختلفة وفي مواضيع شتى"[3].
      والرجل في مسألة القدر يميل إلى مذهب أهل السنة والجماعة التي يكرر باستمرار أنه يمثل موقفهم، وتصوره لمسألة الإرادة الإنسانية ينحاز إلى التقليل من شأنها إلى الحد الأدنى، فرغم أنه يُقر بها فإنه يعتبر وجودها مجرد وجود اعتباري، يقول: "نعم، إن لنا إرادة، وهذا صحيح، ولكن ليس لها وجود خارجي فهي ليست مخلوقة، ولهذا لا يمكننا أن ننظر إلى إرادتنا أنها موجودة"[4]. لهذا فإنه يطلق عليها "الإرادة الجزئية" مقابل "الإرادة الكلية" التي هي الإرادة الإلهية[5]، ويفسر مذهبه هذا بأنه لا يجد تناسبا بين الفعل الإنساني ونتائجه )العلة والمعلول( بناء على قانون "تناسب العلية"، ويضرب لذلك مثلا: "هب أنكم لمستم زرا لمَكِنة كهرباء عظيمة، علما أن غيركم قد هيأ هذه المكنة بنظام دقيق، بحيث إن مجرد مس زرها يجعل المكان كله غارقا في النور. فالعمل الجزئي الذي قمتم به والنتيجة العظيمة التي ظهرت لا تُشاهد بينها علاقة معقولة"[6].
      ولعل هذا المقطع من الكتاب يلخص موقفه بشكل جلي "إن ما نسميه "الإرادة" صغيرة صغيرة إلى درجة ضئيلة جدا، بحيث مهما توسعت آفاق نظراتنا وتعمقت لا تستطيع رؤيتها ولا تمييزها، لأن ليس لها وجود خارجي. وهي صغيرة لحد لا يمكن إيجاد علاقة بينها وبين ما يترتب عليها من أعمال حسب قاعدة "تناسب العلية"[7].



[1] - محمد فتح الله كولن، القدر في ضوء الكتاب والسنة. ترجمة: إحسان قاسم الصالحي. دار النيل للطباعة والنشر، الطبعة الرابعة2006. ص5.
[2] -المرجع نفسه ص5.
[3] -المرجع نفسه ص7-8.
[4] -المرجع نفسه ص26.
[5] -المرجع نفسه ص116.
[6] -المرجع نفسه ص27.
[7] -المرجع نفسه ص88.

الأحد، 8 مارس، 2015

أكثر أبو هريرة مصطفى بوهندي.

أكثر أبو هريرة
مصطفى بوهندي.
أثارت مرويات أبي هريرة الكثير من الضجيج واللغط منذ الوقت الذي بدأ فيه يتوسع في الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم خصوصا بعد وفاة عثمان بن عفان إلى يوم الناس هذا، فصور اعتراض الصحابة عليه متعددة ومنها ما أورده المؤلف نفسه من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أصبح جنبا فلا صوم له" رواه مسلم وأحمد وغيرهما. فقد أثار حفيظة العديد من الصحابة حتى أن زوجات النبي ردوا عليه روايته.
واستمر الجدل لكثرة تحديثه عن الرسول اليوم، لهذا نجد تشكيك المؤلف في روياته يقوم على أساسين هما:
-نفي الصحبة عن أبي هريرة من خلال عملية حسابية صرفة عن طريق طرح مدة إسلامه من سنة وفاته أخذا بعين الاعتبار أنه قد أسلم في الثلاثينات من عمره والتي يستنتج منها الرجل أن إسلام أبا هريرة كان بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.
-أخذ أبي هريرة عن أهل الكتاب خصوصا كعب الأحبار وعبد الله بن سلام ثم خلطه في روايته عنهم هذه الموقوفات تارة مرفوعة وأخرى موقوفة.
والذي أراه أن الرجل قد يكون محقا في الكثير من الأسئلة التي طرحها بخصوص مرويات أبي هريرة، لكن الدليلين المعتمدين في هدم أحاديثه كانا متهافتين إلى درجة كبيرة.
 فبخصوص عدم صحبة أبي هريرة فإن الدليل القاطع الذي اعتمده المنبني أساس على سن أبي هريرة يوم إسلامه إنما هو من رواية أبي هريرة نفسه، فكيف يتجرأ الكاتب على التشكيك في كل أحاديث أبي هريرة ثم يبني استنتاجا قاطعا بناء على روايته، وهو لعمري عجيب.

أما بخصوص الخلط الذي وقع في روايات أبي هريرة عن أهل الكتاب بين الرفع والوقف فإن الإشكال قد يكون بفعل تدخل الرواة وليس من فعل أبي هريرة وهو ما انتبه إليه الكاتب نفسه، كما أن منهجية المحدثين في غربلة الحديث سندا ومتنا قادرة على كشف مثل هذه العلل في الأحاديث وبيانها.

الخميس، 5 مارس، 2015

كتاب الموتى الإسلامي: بدء الخلق عبد الرحمان الكيحال عرض ومناقشة. إنجاز: حفيظ هروس

كتاب الموتى الإسلامي: بدء الخلق
عبد الرحمان الكيحال
عرض ومناقشة.
إنجاز: حفيظ هروس
1
      يعتبر الموت من الانشغالات المؤرقة التي لازمت الوجود الإنساني ورافقت وعيه منذ الحضور الأول لسؤاله الوجودي الذي انبثق مع قلقه المبكر: من أتيت؟ وإلى أين المصير؟، لهذا لم يكن مستغربا قط أن يكون بحث هذا الموضوع من الإرهاصات الأولى لتفتق الوعي الديني والأسطوري على حد سواء.
      وقد بحث الموضوعَ كتاباتُ شتى ومن جوانب مختلفة دينية وفلسفية وأدبية، لكن ما يميز الكتاب الذي بين أيدينا هو المقاربة الشمولية للموضوع، فالمؤلف لا يتقصد البتة قصر حديثه عن التصور الإسلامي للموت فقط  كما قد يوهم العنوان بذلك "كتاب الموتى الإسلامي"، وإنما غرضه الأساس طرق السؤال الوجودي السالف الذكر في امتداداته وأبعاده المتعددة، لهذا قيَّد الكاتب العنوان بعبارة أخرى هي"بدء الخلق" والتي يحدد معناها كالآتي: "مفهوم بدء الخلق في الإسلام يراد به رحلة الإنسان من البدء إلى المصير"[1]، مستندا إلى حديث نبوي شريف رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم مقاما فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه" أخرجه البخاري[2].
      والكتاب من خلال فهرسه يعكس هذا التوسع المذكور، فهو موزع على ستة أبواب كل واحدة منها تعالج مرحلة أو طورا من أطوار الخلق، وهي: كتاب النفس، كتاب التكوين،  كتاب خلق آدم، كتاب الموتة الأولى، كتاب العيش بعد الموت، كتاب النشور، كتاب المصير.
       وفهم الكاتب لأطوار الخلق لا يسير في شكل خطي متتابع للزمن كما هو شائع، بل يتصوره في شكل دائري متزامن، بحيث يمكن لمرحلتين أو أكثر أن تتزامنا، وهو ما عبر عنه بقوله: "ومعلوم أن هذه الأحوال تتواجد في وقت واحد... فنحن أمام حركة أطوار وليست حركة تطور"[3]. ومما يسَّر له هذا الفهم الحديث الذي رواه أبو بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم..."[4]
2                                                                                                     
      تناول المؤلف مباحث الكتاب بطريقة موسوعية واضحة واستند إلى منهج المقارنة التحليلي، فقد حاول تجميع أراء السابقين واللاحقين في الموضوع ومن ثمَّ عمل على تحليلها ومناقشتها في ضوء التصور الإسلامي، لهذا جنح إلى تسمية كتابه بالدليل بدل الكتاب، يقول: "لهذا سأسميه دليلا وليس كتابا"[5].
      ففي كل قضية يستعرض أقوال وأراء الفلسفات والأديان والمذاهب المختلفة ثم يُعمل فيها مبضع التشريح والتحليل، ولهذا المنهج فوائد عدة منها:
-فتح منافذ جديدة للرؤية أمام القارئ للاطلاع على التصورات المختلفة لهذه القضايا الشائكة وألا يظل حبيس أطروحات محددة غالبا ما يتعصب في الدفاع عنها أو يلجأ إلى محاكمة التصورات المخالفة دون سند علمي، إذ من المعلوم أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
-المنهج المقارِن بين الآراء والمعتقدات يتيح إمكانية البحث عن المشترك الإنساني الذي يرمي إلى رأب الصدع وتقريب الشقة، لكنه في نفس الوقت يؤكد الخصوصيات الدينية والمعرفية لتصور ما، اعتبارا للسياقات التاريخية والمعرفية التي أنتجته، كما أنه يساعد على فرز الأقوال وانتقاء الأصح.
      لكن الموسوعية منهجا في التناول والعرض لها جانبها السلبي أيضا، إذ مما لا شك فيه أن كاتبنا قد تطَّوح في الكثير من الاستطرادات التي لم تكن ضرورية لمعالجة قضية ما، أو قد تكون من الفائض الذي يمكن الاستغناء عنه، أو من الإطناب الذي لا حاجة إليه. ومن أمثلة ذلك:
-بيان سمات الديانة المصرية القديمة في معرض حديثه عن مفهوم "النفس عند قدماء المصريين"، إذ لم تدع الضرورة هنا إطلاقا إلى هذا الاستطراد، وكان يمكنه أن يكتفي بمعالجة القضية موضوع الدرس والتحليل وهي النفس.
-ذكر مبادئ الفلسفة الهرمسية السبعة عند حديثه عن "أول ما خلق الله" ومن ضمنهم العقل، لكن الحاجة لا تدعو إلى هذا الاستطراد إذ يكفي ذكر المشابهة بين الحديث النبوي[6] موضوع الدرس وبين الفلسفة الهرمسية دون الانجرار لذكر المبادئ التي لا صلة لها بالموضوع.
-عقد الرجل في باب "كتاب المصير" العديد من الفقرات التي لا تظهر صلتها بالموضوع، وذلك من قبيل "العلم والمعرفة" و"المهمة والغاية" و"الإيمان والإسلام" و"الكفر والتكفير"، وقد استشعر الكاتب نفسه هذا الحرج بعد أن أطال في مناقشة هذه القضايا العويصة فقال معلقا على ذلك: "قد يقول قائل لما الخوض في أمور جانبية قد تضر أكثر من أن تنفع المسلمين؟"[7].
      ورغم أن الكاتب حاول تبرير صنيعه ذلك، فإنه لم يبدو مقنعا من وجهة نظر بحث أكاديمية صرفة وإن كان له عذره على مستوى التجربة الشخصية، وهذا يقودنا حتما إلى بيان تحرره النسبي من البحث الأكاديمي بالطريقة الكلاسيكية المتعارف عليها، والسبب أن الأستاذ عبد الرحمان لا يعتبر نفسه كاتبا بالمعنى الحِرَفي للكلمة لهذا وسم كتابه بالدليل ووقع غلافه ب: إعداد: عبد الرحمان الكيحال وقال في بيان ذلك: "لست كاتبا حتى أسميه كتابا"[8]. كما أنه أقر بإمكانية وجود صعوبة لدى القارئ إذ أن "الترتيب الموضوعي لهذه الكتب، كذا المنهجية المعتمدة قد لا تروق أو تكون منتقدة، ويشفع لي عند القارئ الإكراه الذي يرافق تبسيط المعقد وتقريب المستبعد، وأنه يتلقى ممن لا يحترف الكتابة ولا حتى هو هاو لها"[9]، فالكتاب أقرب إلى "تجربة تأملية" في بحث السؤال الوجودي منه إلى البحث الأكاديمي بالمعنى الحَرْفي.
3
      الكاتب صاحب رسالة ومقصد، يسهل على القارئ أن يدرك ذلك ويستشفه بين ثنايا الكتاب، والكاتب نفسه يصرح بذلك أكثر من مرة ، فهو يعتبر نفسه بدون مواربة شخصا له "مُثل وقيم يؤمن بها"[10] ورغم أن هذه المبادئ قد طرأ عليها الكثير من التغييرات وتمَّ استبدالها بما ظهر له أنه أسلم وأصلح، فإنه ظل حريصا على العناية بالآراء التي توافق تصوره دون غيرها، ورغم اعترافه بأن هذا المسلك شائن عند المثقفين فإنه يتخطاه ليوجه خطابه "لجيل الأبناء الذين هم في بداية تجربة الحياة عسى أن يوفر لهم آلية لاجتياز المراحل في وقت أقل"[11]، حتى لا يكرروا نفس الأخطاء التي وقع فيها جيل الكاتب، خصوصا وأنه يعتبر هذا العصر عصر الدجل بامتياز: "الدجل في السياسة، الدجل في الإعلام، والدجل في العلم، والدجل في الدين، والدجل الذي يحيط من كل الجهات...".
      وقد تأثر الكاتب بوضوح في هذا المنحى بشخصيتين بارزتين طبعتا حياته بآثار بيِّنة كما هو واضح في الكتاب، الأول منهما هو د.مصطفى محمود الذي تتشابه حياته مع حياة الكاتب "فكلانا انطلق من الشك"[12]، كما أنه "تمكن في رحلته من الشك إلى الإيمان أن يجتازها بنجاح وسط جيل مفتون"[13]، أما الشخصية الثانية فهي شخصية هرمس المرتبطة بالحكمة والتي ستلهم صاحبنا السبيل للوصول إلى الحق عبر "الجهد الروحي في التأمل المستمر للوصول إلى معرفة الإله الواحد"[14].
4
      منهج "المقارنة التحليلي" الذي اتكأ عليه الأستاذ عبد الرحمان الكيحال في بحث وتحرير قضايا الكتاب اعتمد آليتين اثنتين: أولاهما نقلية والأخرى عقلية.
      فأما الجانب النقلي فإن تعويله الكلي كان على الوحي، وهو يؤكد أن الحق متعلق به وحده، إذ لا عاصم من طوفان الضلال والانحراف إلا به، يقول: "الوجهة التي أنا متأكد من أحقيتها هي الوحي ولا يوجد في هذه الحياة الدنيا ما يمكن اعتباره حقا غيره"[15]، كما أن الحيرة والغموض اللذين يعترضا فهم الإنسان لا يمكن رفعهما إلا بالعودة إلى القرآن والسنة "الرجوع إلى الكتاب والسنة يجلّي اللَّبس وينشر في القلب الطمأنينة"[16]. والسبب الذي حدا به إلى الاعتماد الكلي على الوحي هو صعوبة الركون إلى التفسيرات العلمية لبدء الخلق بمفهومه الشامل نظرا لقصور العلم عن إدراك الحقائق الغيبية وكذلك القلق المصاحب للنظريات العلمية التي تبقى مفتوحة على التعديل أو الإلغاء بصفة مستمرة، لهذا فهو يحسم الأمر بقوله: "ليس من الممكن معرفة البدايات الأولى للخلق اعتمادا على العلم"[17].
      ومن أهم تجليات توظيف آلية النقل في مناقشة قضايا الكتاب يمكننا أن نضع الأصبع على فهم أسرار الكون والخلق في ضوء القرآن الكريم، فبالرجوع إلى باب "كتاب التكوين" سيجد القارئ أن الكاتب حشد عشرات النصوص من القرآن والحديث التي حاول توظيفها لفهم الأسرار والتفاصيل المتعلقة بنشوء الكون في بداياته الأولى. وكذلك نجده يحاكم النظريات التفسيرية للظواهر الغيبية في ضوء الوحي مثل فهم نظرية التقمص في ضوء القرآن والسنة، فبعد استعراضه للخطوط العامة التي تحاول أن تعطي تفسيرا معينا للبعث والنشور فإنه يتعقبها قائلا: "لنستنطق المرجعية من الكتاب والسنة"[18]، بحيث يحاول أن يضفي تفسيرا صحيحا على نظرية التذكر من التراث الإسلامي بعيدا عن شطط المغالاة في قبول النظريات الغريبة التي يبقى إيرادها من باب المقارنة والتوضيح ليس إلا، والأمثلة على هذا النحو كثيرة.
       ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الباب أيضا أن توظيف هذه الآلية كان محكوما عند الكاتب بعدة قواعد علمية صارمة ولم يكن استخدامها اعتباطيا من باب حشد النصوص فقط، ومن أهم هذه القواعد:
-تفسير القرآن بالقرآن نفسه، ففي معرض تفسيره لمعنى الخلافة الوارد في قوله تعالى ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ فسرها بقوله: "والخلافة يراد بها الحكم والسلطان أي المسؤولية عن الغير، لا المسؤولية الذاتية... على منوال قوله تعالى ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله﴾[19].
-فهم الحديث في ضوء القرآن الكريم، ففي معرض مناقشته لحديث الصور الطويل بعد أن أورده بطوله علق عليه قائلا: "لذا سنعتمده لتبيان تلاحق الأحداث.. معتمدين على ما ورد من أخبار ومدى مطابقتها لما ورد في كتاب الله" [20]. ويقول في موضع آخر "الذي يستوجب اللوم ويستوجب الاستبعاد... أن يُفهم من رسول اله صلى الله عليه وسلم ما يتعارض ولا يتفق مع الكتاب"[21].
-الاعتماد على السياق في تحديد معاني القرآن الكريم ومحاولة تأويل دلالاته المتشابهة، وهي قاعدة يقررها بوضوح  إذ يقول"عند تناول الآيات المتشابهات في القرآن الحكيم، يكون من المفيد عدم فصل الآية عن السياق الذي وردت فيه، كما أن تتبع مثاني الآية التي يعتقد أنها متشابهة من شأنه زيادة التوضيح"[22]، أما تطبيقات هذه القاعدة في الكتاب فهي أكثر من أن تحصى.
5
      من صور الاعتماد على آلية النقل في الكتاب الرجوع بكثرة إلى الكتب السماوية السابقة سواء العهد القديم منها أو العهد الجديد، ومن ذلك أنه عقد فصولا كاملة في كتابه تعالج قضية بعينها من وجهة نظر الكتب السماوية السابقة ومن ذلك: "النفس عند أهل الكتاب" "بدء الخلق في تراجم التوراة"، أما على مستوى التفاصيل المتعلقة بالموضوعات الأخرى فهي كثيرة.
      والكاتب يضع قيودا لقبول مرويات أهل الكتاب، ومن ذلك تصريحه بأن: ".. الترجمات المتكررة من لغة إلى أخرى وتحريف الكلم عن مواضعه... أوجد كثيرا من التناقض في النصوص المقدسة.. مع ذلك يمكن للباحث عن الحقيقة بالمقارنات واستقراء الأمور مع الكتاب المحفوظ أن يخلص إلى نتائج موثوقة"[23]، ولكنه يميل أحيانا إلى قبول الروايات الإسرائيلية وتصديقها وتفسير الكثير من الآيات والأحاديث بها، الشيء الذي أدى به إلى الانزلاق إلى قبول بعض الروايات الغريبة جدا، ومن أمثلة ذلك لما أورد حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن طول آدم الوارد في البخاري ومسلم: "خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعا.."[24]، وهو حديث مشكل اختلف العلماء في تفسيره، تحدث على أن الملاءمة تستدعي وجود حيوانات ضخمة ونباتات شاهقة بما يتناسب مع هيئة الإنسان الأول، واستدل على ذلك بنصوص من سفر التكوين التي تؤكد هذا الأمر، والأغرب من ذلك هو حديثه عن وجود "عمالقة جبابرة" في هذه الفترة بلغ طولهم حدا لا يصدق استنادا إلى العديد من النصوص التوراتية، وهو نفسه يستشكل عدم مطابقة الحفريات والدراسات الأركيولوجية لهذا الأمر لكن جوابه على استشكاله لم يكن مقنعا، فهو يعتبر أن الإقرار بهذه الحقائق سيؤدي حتما إلى هدم الحقائق العلمية الرسمية جميعها، ولا أظن أن الأمر كذلك.
     
6
      ومن بين أهم الإشكالات الأخرى التي يمكن أن تثار بوجه آلية النقل بالطريقة التي وظفها بها كاتبنا نجد التوسع غير المحمود في اعتماد الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ورغم اعترافه في أكثر من موضع بأن الحديث ضعيف أو فيه مقال فإنه يورده ويحتج به، ومن ذلك قوله عن الحديث الذي أخرجه ابن أبي شيبة عن زُبيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أصبحت يا حارث ابن مالك..." قال عنه"حتى وإن ضعف سنده فالمهم معناه"[25]، كما أننا نجده يبني استنتاجات كبيرة وأحكام خطيرة على أحاديث فيها الكثير من الخلاف والجدل ومن ذلك مثلا حديث "أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر..." إذ اكتفى بعزوه إلى كتاب كشف الخفاء للإمام العجلوني الذي قال: "رواه عبد الرزاق بسنده عن جابر بن عبد الله"[26]، ثم قال بعد ذلك: "فإن ثبت حديث النور المحمدي رغم التجاذب المذهبي، الذي لا أرى له ما يلزم إذ هو نور منه خلقنا جميعا والأصح خُلق منه كل شيء"[27] بل أكثر من ذلك فإنه يعتمده في ترتيب الموجودات، يقول: "بالرجوع إلى حديث النور المحمدي، يكون ترتيب الموجودات كما يلي: النور المحمدي ثم القلم ثم اللوح ثم العرش ثم حملة العرش..."[28]، ولكنه لو بذل مجهودا إضافيا لعلم أن الحديث موضوع لا أصل له، أنكره الكثير من الصوفية أنفسهم منهم الشيخ عبد الله بن الصديق رحمه الله المعروف بتوجهه الصوفي الذي ألف رسالة لإبطال الحديث سماها "مرشد الحائر لبيان وضع حديث جابر" يقول فيها: "وبالجملة فالحديث منكر موضوع لا أصل له في شيء من كتب السنة"، بل الأدهى من ذلك أن عزوه لعبد الرزاق مجرد وهم لا أساس له من الصحة، يقول السيد عبد الله: "وعزوه إلى رواية عبد الرزاق خطأ، لأنه لا يوجد في مصنفه ولا جامعه ولا تفسيره"[29].
7
وأما الجانب العقلي فيتبدى في صورتين اثنتين هما:
أولا: النَفَسُ الاجتهادي في تقرير المفاهيم وعدم الركون إلى المألوف والمتداول دون تحرير ولا تمحيص بل إنه تعقب الكثير من المسلمات بالنقد والتفنيد، فهو يرى أنه مطلوب في حق العلماء وكذلك العامة التحقق من الأقوال والآراء قبل التسليم بها إذ أنه "من واجب من يتوارث العلم أن يحقق ويتحقق ولا يركن لجاهزية الأحكام، وليست العامة في حِل من هذه النقيصة..."[30] أي نقيصة عدم التثبت.
      ولعل أهم المفاهيم التي عمل على دراستها هي مفهوم النفس، والتمييز بينها وبين الروح وتفسير الخلط الشائن الذي وقع فيه الكثير من العلماء ورواة الحديث، فبعض أن استعرض أراء الفلسفات والأديان والحضارات السابقة توصل إلى التعقيدات المحيطة بالموضوع فعلّق قائلا: "عسى الباحث عن كنه النفس والروح فيما سطر الأولون والآخرون لن يسعفه اليقين"[31] لهذا حاول أن يعرض الأمر على الوحي تماشيا مع منهجه الذي أشرنا إليه سابقا بحيث يعتبر أن "الموضوع ليس من إفراز فكر بل هو من إخبار وحي"[32].
      وإذا كان القرآن قد ميز بوضوح بين النفس والروح فإن الأحاديث قد وقع فيها خلط شديد بحيث استعمِلت النفس بمعنى الروح والسبب في ذلك هو توهم الرواة الذين رووا الأحاديث بالمعنى دون إدراك الفرق بين الأمرين وهو خلط ملاحظ في الاستعمال اللغوي أيضا، وهو ناتج عن أن العرب كانت تخلط بين النفس والروح منذ الجاهلية.
      ومن أهم الفروق التي توصل إليها الرجل بين الروح والنفس نجد:
-كون الروح هي ذلك الأمر الرباني الذي نفخ من طرف رب العزة في حالة خلق آدم أو حالة خلق عيسى عليه السلام وهي تنتمي إلى عالم الأمر، أما النفس فهي خلق كباقي خلق الله حتى وإن لم تكن مادية بالصفة التي نعرف وهي تنتمي إلى عالم الخلق[33].
-الروح لا يعرف لها انفصال عن البدن إلا بعد الموت بينما النفس تتصل وتنفصل عنه بشكل طبيعي أو بمسببات غير طبيعية دون أن يقع خلل في الجسم بالضرورة[34].
-كون الروح يصعد بها إلى السماء بعد الموت سواء كان الشخص مؤمنا أو كافرا، بينما نفس الكافر لا تُفتح لها أبواب السماء[35]. وغيرها من الفروق.
      وإلى جانب مفهوم النفس عالج الكاتب العشرات من المفاهيم الأخرى بنفس الطاقة الاجتهادية منها: مفهوم الأرض-مفهوم الإنسان-مفهوم الخلود- مفهوم العصمة- مفهوم التوبة- مفهوما الإيمان والكفر- مفهوم الفرقة الناجية-مفهوم الصحابة...
8
ثانيا:الاستخدام المكثف للمفاهيم والنظريات العلمية في تقريب القضايا التي فككها أو في تقرير الآراء التي ناقشها، ولعل تخصصه العلمي قد ساعده كثيرا، فهو يعتقد أن فهم الكثير من العلماء في تفسيراتهم سواء للنصوص الدينية المقدسة أو الظواهر العلمية كان يخضع للمعارف المتداولة في زمنهم، وعليه فإن "فهمنا الحالي يعتمد على معطيات العلم الحديث"[36].
      فعند مناقشته لمفهوم اليوم استعرض ما قرره العلم الحديث بشأنه ثم علق عليه قائلا: "اعتبار اليوم مقدارا من الزمن يُتم فيه جُرم ما حركة دورانية حول نفسه وسَّع من مفهوم اليوم ويقربنا أكثر لفهم معنى اليوم في القرآن الحكيم"[37]. وعلى نفس المنوال درج في تفسير وتقريب العديد من المفاهيم، ففي معرض مقابلته بين الصفات الإلهية والصفات الإنسانية يقول: "كل الصفات الواردة في الكتاب والسنة لمن تقدس وتبارك اسمه، قائمة ويجب الإيمان بها، وفي البعض منها نزر من الشبه مع صفات الإنسان.. إلا أن الشبه لا يعني التماثل ولا الندية.. بل هو على منوال التشابه الموجود رياضيا بين اللانهائي المحدود واللانهائي غير المحدود"[38].
      كما أنه ناقش الكثير من النظريات العلمية ووضعها على محك الاختبار سواء من الناحيتين العلمية التجريبية أو الدينية النقلية، ولمعرفة مدى اطلاع الرجل وتبحره في هذا المجال يكفي الرجوع إلى فقرة "بدء الخلق في العلم الحديث" حيث استعرض الكثير من النظريات الرائجة في الدوائر العلمية والثقافية العالمية وأسباب هذا الرواج العلمي لبعض النظريات دون أخرى.
      وعلى كل حال تبقى هذه أهم الأفكار الواردة في الكتاب وأبرز المعالم المنهجية التي اهتدى بها الرجل في مناقشة وتشريح القضايا المعرفية الشائكة المرتبطة بهذا الموضوع، وتبقى العديد من التفاصيل التي لا يمكن لهذه القراءة المختصرة أن تلم به، ومهما كانت الملاحظات والاختلافات التي لا يسع المرء إلا أن يسجلها مع الكاتب في العديد من الأطروحات فإن الكتاب قد اقتحم لُجة صعبة  ونجح في الغالب أن يعالج قضاياه بعُدة علمية ومعرفية مشهودة، وأن يخلخل الكثير من المفاهيم المتوارثة وأن يبعث على إعادة النظر فيها من جديد.
والله ولي التوفيق وهو يهدي إلى سواء السبيل.
وكتبه حفيظ هروس يوم الأربعاء 5 مارس 2015.
       





[1] -عبد الرحمان الكيحال، كتاب الموتى الإسلامي: بدء الخلق. Imprima Madre تطوان المغرب، الطبعة الأولى 2014. ص47.
[2] -أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب: وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده.
[3] - عبد الرحمان الكيحال، كتاب الموتى الإسلامي.. ص154.
[4] -البخاري، صحيح البخاري، كتاب  الأضاحي باب من قال الأضحى يوم النحر.
   مسلم، صحيح مسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال.
[5] - عبد الرحمان الكيحال، كتاب الموتى الإسلامي.. ص252.
[6] -الحديث: "أول ما خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر.." والحديث ضعيف عند قوم موضوع عند آخرين. أنظر: إسماعيل بن محمد العجلوني،كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس. طبعة مكتب القدس 1351هـ. 1/236-237. وكذلك 1/263.
[7] - عبد الرحمان الكيحال، كتاب الموتى الإسلامي.. ص203.
[8] -المرجع نفسه ص 252.
[9] -المرجع نفسه ص6.
[10] -المرجع نفسه ص252.
[11] -نفس المرجع والصفحة.
[12] -المرجع نفسه ص245.
[13] -المرجع نفسه ص41.
[14] -المرجع نفسه.
[15] -المرجع نفسه ص252
[16] -المرجع نفسه ص205.
[17] -المرجع نفسه ص86.
[18] -المرجع نفسه ص131.
[19] -. المرجع نفسه ص95.
[20] -المرجع نفسه ص166.
[21] - المرجع نفسه ص182.
[22] -المرجع نفسه ص90.
[23] -المرجع نفسه ص111.
[24] -صحيح البخاري، كتاب الاستئذان، باب بدء السلام. صحيح مسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها.
[25] -المرجع نفسه ص185.
[26] - إسماعيل بن محمد العجلوني،كشف الخفاء.. 1/265.
[27] - عبد الرحمان الكيحال، كتاب الموتى الإسلامي..ص56.
[28] -نفس المرجع والصفحة.
[29] -النقول من كتاب مرشد الحائر لبيان وضع حديث جابر، للشيخ أبي الفضل عبد الله بن محمد بن الصديق، طبعة دار المشاريع 1996.
[30] - عبد الرحمان الكيحال، كتاب الموتى الإسلامي.. ص250.
[31] -المرجع نفسه ص24.
[32] -نفس المرجع والصفحة.
[33] -المرجع نفسه ص33-34.
[34] -المرجع نفسه ص34.
[35] -استند في تقرير ذلك إلى مجموعة من الأحاديث يرجى الرجوع إليها في ص35 من الكتاب.
[36] -المرجع نفسه ص62.
[37] -المرجع نفسه ص60.
[38] -المرجع نفسه ص180.