الأحد، 6 سبتمبر، 2015

د.منى أبو الفضل الأمة القطب: نحو تأصيل منهجي لمفهوم الأمة. عرض وتحليل: حفيظ هروس

د.منى أبو الفضل
الأمة القطب: نحو تأصيل منهجي لمفهوم الأمة.
عرض وتحليل: حفيظ هروس

      هناك تواطؤ عام على أن "الأمة" ظلت تشكل على امتداد الزمان الضمير الحي والمخزون النفسي لعموم جماهير الجماعة التي قطنت دار الإسلام، لكنه مع ذلك بقي مجرد انفعالات وجدانية لا أثر له في الواقع المعيش للمسلمين، وعليه فقد أصبح مراجعة هذا المفهوم واجب الوقت قصد الارتقاء به من "مجرد ظاهرة حسية-وجدانية إلى مفهوم عقلي منطقي"[1].
      ومن بين أهم موجبات هذه المراجعة بالإضافة إلى ما سلف ذكره هو المد الإحيائي الإسلامي الكبير الذي يقابله إهمال شديد للعناية بهذا المفهوم وإعماله عن طريق إخراجه من دائرة الظل والخمول إلى حيز النور والفاعلية، ومن هنا تأتي أطروحة الكاتبة "الأمة القطب"، بحيث ترى أن صفة القطبية هي أقرب صفة يمكن إسنادها "للأمة" وهي "الصفة التي مكنت الأمة من الاستقطاب والقابلية والقدرة على التجميع حولها"[2] وهي بهذه الصفة تؤدي وظيفة مزدوجة "من حيث تماسكها الداخلي وانفتاحها وجاذبيتها بالنسبة للغير على المستوى الخارجي"[3].
      إن أهم خصائص الأمة التي انطلقت منها المؤلفة هي ملاحظة أنها "ارتبطت بالعقيدة الدعوة"[4] مما يعني أن "الأمة تدور مع العقيدة، والعقيدة هي منطلق بقاء الأمة"[5]، كما أن العلاقة الجدلية بين الأمة والعقيدة باتت هي "المدخل المنهجي لمراجهة المفهوم"[6] عند كاتبتنا. وقد أضفى هذا الطرح على المفهوم المدروس بعدا غيبيا واضحا بالاضافة إلى الأبعاد الأخرى نتج عنه قصور المناهج المادية في معالجة وتحليل الظاهرة لذا اقترحت المؤلفة بدل ذلك المزواجة في المناهج المتوسل بها لإعادة بناء المفهوم بين الظواهر والماديات ="البرانيات"، وبين القيم والمعنويات ="الجوانيات".
      وبما أن أخص خصائص الأمة هي "العقيدة الدعوة" فإن المحور الرأسي للاستقطاب في أطروحة السيدة منى تعتليه العقيدة ثم تتبعه العبادات بينما تحل العوامل الجغرافية والتاريخية والبشرية أبعادا للمحور الأفقي، وتطغى أهمية العقيدة على غيرها من العوامل لأنها تشكل "مصدر تماسك الكيان الذاتي للفرد، ثم هي مصدر تماسك الكيان الذاتي للجماعة"[7].
      أما الدولة فإنها تبقى في هذه الأطروحة مجرد أحد العناصر المكملة لا أصل البناء "فليست الدولة في الإسلام مدارا للأمة قياما وتطورا وامتدادا وضمورا"[8] بحيث أن "الإسلام عندما جاء بأمة "الأمة" لم يقرنها بحتمية تنظيمية معينة... بل هي القادرة على إيجاد الأشكال والصياغات التنظيمية التي تتلاءم ومعطيات العصر"[9].
      وحقيقة بقاء الأمة واستمرارها مرتبط بخلود أصل نشأتها الحيوي المرتكز أساسا على "المنشأ النفسي المتجدد"[10] وهو منشأ ذاتي لا يستمد عنفوانه من أية جهة خاريجة، هذا بالاضافة إلى المنشأ الأول التاريخي الذي ارتبط بمطلع الدعوة والفترة التكوينية لجماعة المسلمين الأولى. والمنشأ النفسي هو الذي يتيح للأمة استقلاليتها  ويكرس وحدتها.
      ولنا على هذا الطرح التجديدي لمفهوم الأمة ملاحظات نجملها فيما يلي:
1-تقديم الأمة وأولويتها في طرح الأستاذة منى أبو الفضل على جميع الأشكال والصيغ التنظيمية التي برزت أو يمكن أن تبرز فيها وعلى رأسها الدولة التي تراجعت إلى الخلف في هذا التصور يعكس وعيا عميقا بالمأزق الكبير الذي يعيشه الفكر الإسلامي وخصوصا الحركي منه منذ الميلاد المبكر للأطروحات الحركية التي جعلت الدولة تطغى بشكل كبير على اهتماماتها وطموحاتها وأهدافها. حتى أصبحت عبارة عن "أسطورة" مركزية في النسق المفاهيمي لفكر الحركيين كما بيّنت بحق د.هبة رؤوف عزت في كتابها القيِّم "الخيال السيسي للإسلاميين: ما قبل الدولة وما بعدها"[11].
      فالأستاذة منى ما فتئت تصر في كتابها على أن "الأمة هي الأصل" باعتبارها "وعاء القرآن"[12]، وهو طرح كفيل بتنبيه الحركيين إلى ضرورة مراجعة النظريات وإعادة ترتيب الأولويات، ولعل من أثر ذلك النظرة المقاصدية للعلاقة بين الدولة والأمة عند شيخ المقاصديين المعاصرين د.أحمد الريسوني الذي يؤكد بدوره "أن الأمة هي الأصل وليس الدولة"[13]، معززا أطروحته بكون الخطاب الشرعي في جل النصوص التكليفية الشرعية "هو أساسا وابتداء للأمة ولجماعة المسلمين"[14]. ومن ثمَّ يردُّ الكثير من القضايا التي اعتبرها الفقه التقليدي لصيقة بالدولة إلى الأمة فهي في نظره بها ألصق وبمهامها أشبه، ومن ذلك قضايا الدعوة ونصرة الدين وتغيير المنكر وتحقيق الشورى.
          وهذا الطرح النظري الذي ينزِع عن الدولة قدسيتها ويردها إلى حجمها الطبيعي وينتصر في المقابل للأمة كفيل بأن يعيد للمجتمع عمليا دوره وحجمه الحقيقي في بناء النسق المعرفي والسياسي في المجتعات التي يغلب على طابعها الخصائص الإسلامية العامة ولعل هذا الكتاب يعتبر من اللبنات الرائدة في هذا الباب.
2-الطريقة الحجاجية والأسلوب الذي تعرض به الكاتبة نظريتها يعوزه الكثير من آليات الاقناع خصوصا وأنه يحفر في أرض بقيت حكرا مدة ليست باليسيرة على الخطاب الديني، وبالتالي فإن التوسل بنفس الخطاب والأسلوب يكون أدعى للإقناع والمنافحة بينما الاتكاء على الخطاب القانوني الإنساني الذي لا يُنكر أهميته –خصوصا وأن الكاتبة تؤكد على ضرورة الوصل بين الإسلاميات والإنسانيات- يبقى أقل فاعلية في مواجهة خطاب الحركيين المفعم بالنص الديني.
3-ربط مفهوم الأمة القطب بالعقيدة عند كاتبتنا مشكل، وهو نفس الشيء الذي آل إليه طرح الأستاذ الريسوني الذ يرى أن الأمة هي "أمة الإسلام، وهي جماعة المسلمين"[15]، وأرى أن الإشكال يبرز من جانبين اثنين هما: أولهما الإشكال التاريخي المتعلق بوضعية غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، وثانيهما عدم القدرة على الانفتاح على مفهوم المواطنة بالمعنى المعاصر. ثم إن ربط مفهوم الأمة بالمضمون الديني يتعارض مع الاستخدام النبوي لهذا المفهوم في صحيفة المدينة التي اعتبرت الجماعات الدينية اليهودية أمة من الناس "وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين" وهي ملاحظة ثاقبة اتكأت عليها د.هبة رؤوف في افق التطوير السياسي لمضمون الأمة[16].
      كما أنه –أي ربط الأمة بالمضمون الديني- يحُول دون تطوير المفهوم في أفق المسلك السياسي بدل المسلك الديني الصرف، وهذا لا يعني بالضرورة تبني التعريف "القومي" لهوية الأمة بالطريقة التي تشكلت بها في الأدبيات السياسية الغربية وإنما القصد فتح نوافذ تجديدية للمفهوم تحت المظلة السياسية المتسعة لجميع الناس بدل الانحباس في المعطى الديني الذي سيخلق اختناقات هوياتية على مر الزمان.
   



[1]- د.منى أبو الفضل، الأمة القطب: نحو تأصيل منهجي لمفهوم الأمة. مكتبة الشروق الطبعة الأولى 2005. ص36.
[2] -نفسه ص29.
[3] -نفسه ص51.
[4] -نفسه ص24.
[5] -نفسه ص24.
[6] -نفسه ص24.
[7] -نفسه ص67.
[8] -نفسه ص24.
[9] -نفسه ص56.
[10] -نفسه ص78.
[11] -د.هبة رؤوف عزت، الخيال السيسي للإسلاميين: ما قبل الدولة وما بعدها. الشبكة العربية للأبحاث والنشر. الطبعة الأولى 2015. ص72.
[12] - د.منى أبو الفضل، الأمة القطب ص55.
[13] - د.أحمد الريسوني، الأمة هي الأصل: مقاربة تأصيلية لقضايا الديمقراطية وحرية التعبير. الشبكة العربية للأبحاث والنشر. الطبعة الثانية 2013. ص10.
[14] -نفسه ص12.
[15] -نفسه ص9.
[16] - د.هبة رؤوف عزت، الخيال السيسي للإسلاميين ص102.