الجمعة، 5 يناير 2018

د.محمد المزوغي في نقد الاستشراق: المحور أركون/صالح ملاحظات عامة.

د.محمد المزوغي
في نقد الاستشراق: المحور أركون/صالح
ملاحظات عامة.
حفيظ هروس
     يمكن القول أن هذا الكتاب ينتمي لحقل "نقد نقد الاستشراق"، فمنذ صدور كتاب إدوارد سعيد "الاستشراق"، ومن قبله مقال أنور عبد الملك الذائع الصيت "الاستشراق في أزمة" انبرى العديد من الكتاب من اتجاهات فكرية مختلفة للدفاع عن الاستشراق ودحض أقوال نقاده، وقد همّت هذه الحركة الضد نقدية المستشرقين أنفسهم في البداية، فقد حاول الكثير منهم تبرير أعمالهم، والدفاع عن التقاليد البحثية التي ترسّخت عبر القرون في الحقول الاستشراقية المختلفة، ونجد من بين هؤلاء المستشرقين فرانسيسكو غابريلي وماكسيم ردونسون والبرت حوراني وغيرهم، ورغم دفاعهم المستميت عن التوجهات العامة للاستشراق، ونبل مقاصده المنبنية على فضيلة "الفضول المعرفي" في نظرهم، فقد اعترفوا هم أنفسهم بوجود العديد من وجوه القصور في دراساتهم. وقد سار على منوال هؤلاء المستشرقين وسلك مسلكهم الكثير من المفكرين العرب أمثال صادق جلال العظم ومهدي عامل اللذين تعتبر كتابتهما من أمتن البحوث في الباب.
     وعليه يمكن القول إجمالا أن محمد المزوغي ينتمي إلى هذه الفئة من المفكرين التي حاولت تفكيك بنية المدرسة الضدية في الاستشراق التي عملت على فضح أغراضه الاستعمارية، ونسف بناءاته العنصرية، ودحض مقولة المركزية الأوروبية في الدراسات الاستشراقية من خلال سبر أغوارها، والاطلاع العميق على مناهجها وأفكارها.
     وهكذا فقد انصبت مجهودات الرجل في هذا الكتاب على نقد موقف أركون وتلامذته من الاستشراق عموما، والمنهج الفيلولوجي على وجه الخصوص، فهو يعتبر أن الانخراط الواعي أو غير المقصود في نقد الدراسات الاستشراقية وبيان تهافت قراءاتها، وكذا التقليل من أهمية المنهج الفيلولوجي بزعم الدعوة إلى الانفتاح على العلوم الإنسانية يصبُّ في مصلحة الرجعيين في العالم العربي وعلى رأسهم الإسلاميين، ويقوي مراكزهم، ويدعم نفوذهم الفكري والسياسي، الشيء الذي يجعل من هذه القراءات النقدية تقع في تحالف موضوعي مع هؤلاء الرجعيين الذين لا يتوانى عن وصفهم بالإرهاب والعمالة. يقول في هذا الصدد: "إن أركون وصالح هما مثال عيني صارخ لما آلت إليه حالة الثقافة العربية الراهنة من بؤس وتقهقر جراء التحالفات المريبة... بين مفكرين علمانيين... وبين طغمة الإسلاميين في كفاحهم ضد الاستشراق وتشويه سمعة المستشرقين"[1].
     كما أنه يعتبر من جهة أخرى أن هذا النقد يؤدي إلى إذكاء نَزاعات الغلو والتطرف، وهو ما قام به محمد أركون أحسن قيام في نظره، يقول: "ساهم أركون بمعية مثقفين عرب آخرين من أمثال المؤرخ التونسي هشام جعيّط ومن قبله أنور عبد الملك في هذا الدمار، بحيث كل الذين نقدوا الاستشراق الأكاديمي والفيلولوجيا وكل من أدلى بدلوه بحسب الطاقة والوسع في هذه المعركة اللابطولية ذكّى الغلو والإرهاب"[2] .
     بناء على ذلك فإنه يصب حمم غضبه على محمد أركون وتلامذته الذين غرقوا في وحول هذه الخطيئة العلمية التي لا تغتفر "لقد بيّنت في كتابي هذا أن العدو الأوحد لأركون وصالح هما الاستشراق والفيلولوجيا"[3]، كما أنه اعتبر أن هذا الطعن "العشوائي" الذي جذّره أركون كانت له نتائج كارثية[4].
     والمتتبع لأحوال الرجل في عمله ونقده نجده يتكئ على منطلقات مضمرة غير سليمة، وسوابق قصدية غير بريئة تنضح بها تعبيراته، وتفضحه فيها انفعالاته، ويمكن إجمال هذه السوابق المضمرة والقصود المكنونة في ما يلي:
-أولها العداء التام للدين ولظاهرة الوحي وللنبوة، وللدين الإسلامي ونبيه على وجه الخصوص، فعباراته العدائية مسفرة غير متبرقعة، ظاهرة غير محجوبة، ف"الأديان هي العدو الأشرس للعالم"[5]، و"الدين هو في كل الأحوال عائق وليس محركا للمجتمعات"[6]، والأنبياء "أفزعوا البشرية بتعاليمهم وأفعالهم"[7]، والموروث الإسلامي مشكوك في صحته، وجمع القرآن "قصة خيالية"[8]... وغيرها من العبارات والفقرات التي يعج بها الكتاب، ولا يستغرب المرء إذا علم أن الرجل أحد كبار الملحدين وصناديد المنكرين للأديان والرسالات، فالبرجوع إلى كتابه "تحقيق ما للإلحاد من مقولة" الذي ألفه لدحض أطروحة المفكرين المؤمنين وأشباه المؤمنين يقول بكل وضوح "نقول... إن اليوم ودائما يمكن للمرء أن يقول إن الله غير موجود... وإن هناك حججا فلسفية متينة لكي يغدو المرء ملحدا، أو على أية حال لكي يرفض الدين"[9]. وليس من العيب في شيء أن يتبنى المرء هذا الموقف أو أن يسعى أن يستدل عليه بالحجج والبراهين، ولكن العيب هو في تلك النبرة العدائية للدين، واللهجة الساخرة من المؤمنين وعقائدهم التي تناقض العلم والمنطق وتغرق في مواقف ايديولوجية متجاوزة.
     وسبب حملته على نقاد الاستشراق مرتبط بهذه الايديولوجيا الباردة، فهو يعتقد أن هذا النقد يخرم الجهود التي بذلتها الدراسات الاستشراقية في النيل من العقائد الدينية وهدم أسسها، كما أن مواجهة هذه الدراسات بالنقد يطيل أمد العقائد الدينية ويمكّن لها.
-ثانيهما الكره العميق للإسلاميين ومن دار في فلكهم، أو تقرب منهم، أو تعاطف مع القضايا التي يناضلون من أجلها، وقد كال لهم أشنع النعوت وأبشع الصفات أجمعها لغله لهم قوله في حقهم: "الإسلاميون بجميع فصائلهم، عنوان العمالة واللاوطنية والخيانة والانتهازية والإرهاب"[10]، وهكذا جمعهم في سلة واحدة بدون تحقيق ولا تدقيق ولا تفريق. وسبب اهتمامه بهم في مؤلفه هذا اعتقاده أن أركون بمواقفه النقدية للاستشراق ومناهجه الفيلولوجية التي تهدم أصول الإسلام وعقائده يقف في صفهم ويناصر قضاياهم، لهذا لا يتورع عن وصفه هو أيضا بأنه إسلامي متخفي أو علماني متملق وغيرها، وأنه ما زال "يرزح تحت سلطة القناعات الدينية الإسلامية"[11].
-ثالثهما المعارضة المبدئية لأركون ومدرسته وتلامذته، وهو الذي خصّ مشروعه "الإسلاميات التطبيقية" بنقد تفصيلي في كتابه "العقل بين التاريخ والوحي: حول العدمية النظرية في إسلاميات محمد أركون" والذي يشي عنوانه الفرعي بالموقف السلبي للرجل من مشروع أركون، لهذا فإنه في الكتاب الذي بين أيدينا لا يدع كلمة سيئة إلا ويصف بها هذا المشروع، فهو "مشروع تجهيلي بالأساس"[12]، كما أنه "مشروع عبثي تخريبي بأتم معنى الكلمة"[13]، أما عن انفتاحه المنهجي فهو مجرد "طرح أسئلة وعدم تقديم أجوبة، يعني... منهج اللامنهج، عبث فكري لا غير..."[14]. والشيء نفسه، والنعوت ذاتها يكيلها لمن يصفهم بأتباع أركون وتلامذته أمثال هشام صالح ومحمد حداد وآمنة الجبلاوي.
-رابعها التبجيل للإرث الاستشراقي والمنهج الفيلولوجي بزعم قدرة هذه الدراسات وهذه المناهج على هدم العقائد الإيمانية و"اعتماد نظرة عقلانية متحررة للقرآن والوحي والنبوة"[15]، فرغم أنه يدعي أن الدراسات الاستشراقية ليست محصنة ضد التشكيك والدحض[16]، فإنه يقف بالمرصاد لكل المحاولات الجادة التي تعمل على تفكيك الإنشاء الاستشراقي عن طريق توظيف العلوم الإنسانية والمناهج النقدية الحديثة.
      لكن في المقابل لا يجد أي حرج في التعرض بالنقد لبعض المستشرقين وانتاجاتهم المعرفية، من الذين أزعجته بعض أرائهم المتملقة للدين الإسلامي في نظره، مثل أراء برنارد لويس الذي يعتبره عرّاب المؤامرة التخريبية الكبرى "أعني تحالف الإسلاميين والغرب لتدمير العالم العربي وتفتيته بالكامل"[17]، وهو بهذا سقط في تناقض مريع وازدواجية مرفوضة حيث يدافع عن الاستشراق ضد منتقديه وفي نفس الوقت يمرغ في التراب بعض المشاريع الاستشراقية، وهذا التناقض والازدواجية هو ما عابه بالضبط على أركون الذي وصفه بأنه "يهجم على المستشرقين هجمة شرسة، ثم يعود أدراجه فيتصالح معهم ويثني عليهم"[18]، أما صاحبنا فإنه يدافع عنهم ضد خصومهم دفاعا مستميتا ثم يعود إلى الهجوم على الذين لا تروقه أفكارهم فيصفهم بأقذع النعوت والأوصاف. وكأنه لم يدرك أن الاستشراق فيه الغث والسمين، والحسن والقبيح لهذا فكل من التبجيل المطلق أو التبخيس المطلق هو موقف مبني على غير أساس.
     أما الموقف المتبصر من الدراسات الاستشراقية فهو الذي يقوم على أساس دراسة وتحليل الأفكار في أصولها المعرفية وفحص المناهج التي توسلت بها هذه الدراسات، بعيدا عن المواقف الايديولوجية اليابسة. 




[1] -د.محمد المزوغي، في نقد الاستشراق: المحور أركون/صالح. افريقيا الشرق 2017. ص28.
[2] - نفسه ص198.
[3] -نفسه ص6.
[4] -نفسه ص118.
[5] -نفسه ص33.
[6] -نفسه ص39.
[7] -نفسه ص184.
[8] -نفسه ص43.
[9] -د.محمد المزوغي، تحقيق ما للإلحاد من مقولة. منشورات الجمل، الطبعة الأولى 2014. ص6.
[10] - د.محمد المزوغي، في نقد الاستشراق ص63.
[11] -نفسه ص39.
[12] -نفسه ص72.
[13] -نفسه ص74.
[14] -نفسه ص123.
[15] -نفسه ص25.
[16] -نفسه ص33.
[17] -نفسه ص54.
[18] -نفسه ص113.

الأربعاء، 29 نوفمبر 2017

حسن أوريد مرآة الغرب المنكسرة

حسن أوريد مرآة الغرب المنكسرة
أثار الأستاذ حسن أوريد في هذا الكتاب العديد من القضايا التي يعتبرها الغرب عموما مصدر قوته وتفوقه، والتي منحته بالفعل العديد من عناصر التقدم والتطور، لكن نقط القوة هذه نفسها هي التي تشكل اليوم مواطن ضعفه ونقصه بسبب ما أصابها من الأمراض وتطرق إليها من الأدواء، فأصبحت بمثابة مرايا منكسرة لا تعكس الصورة الحقيقية الناصعة لهذه المبادئ، بل تظهر تصدعات وتشققات ستؤدي حتما إلى انهيار القيم الإنسانية الأنوارية التي بنى عليها الغرب حضارته.
وهذه المبادئ هي: اقتصاد السوق الذي ينخر كيانه هيمنة المال وشيوع قيم الاستهلاك في ظل الرأسمالية المالية التي تصبو إلى السيطرة على العالم والتحكم فيه عن طريق المؤسسات المالية العالمية وإملاءاتها المجحفة، ثم التحرر العقلي الذي زاغ عن سكته عندما أصبح ذا طابع مادي آلي بحت، وبعدهما الثورة الجنسية المستندة على التحرر الجسدي بدون حدود ولا قيود، ثم الإعلام والصورة اللذان اخترقهما الإشهار واستعبدهما، وكذلك الديمقراطية التي استكانت إلى التأثيرين المالي والإعلامي فأصبحت في مهب الريح.

هذه عموما هي أهم القضايا التي ناقشها الرجل في الكتاب باعتبار مآلاتها المأسوية التي غدت تشكل مرايا الغرب المنكسرة التي تظهر صورته المتصدعة رغم البريق واللمعان. وهو عند مناقشته لهذه القضايا يجنح في الكثير من المرات إلى ابتسار واختصار أراء العديد من المفكرين والفلاسفة الغربيين وينزع أقوالهم من سياقاتها الشيء الذي يجعل هذه الأقوال تبدو غير مفهومة ولا واضحة، كما أنها تشعر القارئ بالكثير من الملل، لكنه بالمقابل عندما يعمد إلى تحليل هذه الإشكالات ونقدها انطلاقا من أرائه الخاصة تكون حجته أقوى وآراؤه أوضح، ويشعر معهما القارئ بلذة القراءة ومتعة النقاش.

الثلاثاء، 21 فبراير 2017

Nabil Maalouf
Les échelles du levant
J’ai déjà lu cet ouvrage distinct dans sa traduction à l’arabe il y a longtemps, mais j’ai oublié carrément la plupart de ses détails, sauf  la souffrance sévère de  Ossyane le héros inoubliable dans sa résidence restreinte à l’hôpital de Duwwab à cause de la trahison de son petit frère qui est possédé par la haine et l’avidité depuis son enfance.
La vrai question qui attend une réponse raisonnable c’est : pourquoi  Ossyane n’a pas osé quitter sa résidence, ou plutôt pourquoi il n’a rien fait pour s'échapper même s’il avait beaucoup d’occasions?. Cette question me rappelle un autre événement semblable dans le roman très connu de l’écrivant palestinien Ghassan Kanafani  des hommes dans le soleil, quand il a posé sa question problématique : pourquoi n’ont-ils pas frappé sur les parois de la citerne ?.
Cette situation ontologique qui démontre la faiblesse humaine nous conduit à sonder la profondeur de notre personnalité commun à travers les interprétations convenable du comportement d’Ossyane, on découvre les détails qui concernent la vie quotidienne de cette personnalité bien compliquée : ses origines princières, son éducation dure, son isolément insupportable…etc.      
Est-il possible que ses circonstances sont suffisants pour expliquer ses comportements négatifs ?  Pourquoi n’a-il  pas exploité tous ses connaissances et ses expériences pour dépasser les obstacles qui lui a entravé dans son chemin?.  
Certainement non, donc il ne nous reste que de chercher d’autres réponses ailleurs. A mon avis la seule réponse par quoi on peut conclure selon l’évolution des événements de l’histoire c’est l’espoir, et toujours l’espoir même si cet espoir est négatif.
Un autre objet qui mérite d’être discuté là, c’est celle de la question Palestinienne. Nous savons que la seule chose qui mène  Ossyane à la gloire et la célébrité c’est sa participation à la résistance française quand il a  lutté contre l’occupation et l’humiliation, mais ma grand surprise émerge lors ce qu’on trouve que ce héros Libanais imbattable n’a rien fait contre l’occupation Israélien qui viole la terre et l’histoire arabe en Palestine. Est-ce que l’amour de sa femme juif Clara l’a empêché ?. Je ne sais pas, mais je suis certain que l’écrivain Nabil Maalouf qui a essayé d’être neutre n’a pas raison.     

الأحد، 12 فبراير 2017

Paullo Coello The devil and Miss Prym: An eternal struggle between evil and good.

Paullo Coello
The devil and Miss Prym:
An eternal struggle between evil and good.
As he  did in his most of novels, P.Coello attempts to illustrate in this distinctive work the eternal fight of the human  soul between light and darkness. How can  people enlightenth their spirits and prevent the attractive desires to lead them to be the confidential servant  of the evil?
M… the stranger examines  in his journey   the nature of the soul behavior, and discovers her resistance against  the bad under the attractiveness of the gold. He chooses his target carefully, a small calm village, with a tiny number of inhabitants, where he tried to awake their common eagerness toward the richness. As soon as he arrive in Viscos, he meets Miss Pryn the main character, whose characteristics and lifestyle  allow her to become a suitable candidate for the stranger to reach his aim. This first meeting was  in a nearby forest where he shows her the golden bars and persuades her to convince Viscos’s inhabitants to kill one of them and he would give them the gold.
After a long time of hesitation, Miss Pryn decided at last to tell the story to Viscos inhabitants, who they choose Berta as a victim to alter Viscos into wealth.
Basically, Berta is accused as a witch, due to her very weird personality. She spends all her life outside her house watching  every simple movement in the village. Besides, she keeps in touch with the soul of  her late husband . Despite the fact that her main role is to protect the whole village from the Devil, she is chosen as a victim. There, in my opinion the key question arises:  how can the guardian soul of the village  be the victim at the same time? Did the inhabitants fail in their decision?.
Undoubtedly,  the main purpose of the author is to show the reader the dark side of human being especially the churchman who becomes the Devil instrument in this novel .
Finally, the light shone in a dark corner of the Miss pryn’ soul when she made  the right decision against  the priest= religion power, and village’s mayor=politic power, and dissuaded others  to commit this brutal tragedy. 

السبت، 19 ديسمبر 2015

الخطاب المقاصدي المعاصر: مراجعة وتقويم. د.الحسان شهيد.

الخطاب المقاصدي المعاصر: مراجعة وتقويم.
د.الحسان شهيد.
     يتألف الكتاب عموما من شقين، الشق الأول تناول فيه المؤلف الخطاب المقاصدي المعاصر بالمراجعة والتقويم، بينما توزع الشق الثاني على الإشارة إلى الخطوط العريضة لمشروع ما يزال في طور البناء قصد تجاوز العلل والنقائص التي يشكو منها الخطاب المقاصدي المعاصر وسمه بمشروع التشغيل المقاصدي.
     بخصوص الشق الأول فإن العلل التي يشكو منها الخطاب المقاصدي المعاصر لخصها الكاتب في أربع رئيسة هي:
-التاريخية:ويقصد بها استحواذ الطابع التاريخي على الدراسات المقاصدية في عصر نحن أحوج ما نكون إلى خطاب مغاير وأولويات مغايرة.
-التجريدية: وينحو باللائمة على هذا الخطاب المقاصدي لانشغاله البحثي والأكاديمي بالدراسات التجريدية وميله نحو ما هو نظري وبعده عن ملامسة القضايا العملية.
-الفصامية: ويعني بها دراسة المقاصد مفصولة عن مجالها الأصلي الفقه أو عن مجالها التقعيدي أصول الفقه وهي أم العلل في نظره.
-الفلسفية: عن طريق محاولة تأصيل القيم الفلسفية والإنسانية من جهة نظر مقاصدية... حيث انتهى الأمر بالخطاب المقاصدي إلى استدعاء الواقع بإكراهاته وضروراته الوجودية في التقصيد الكلي العام.
     أما الشق الثاني فقد وزعه إلى شطرين:
     استعرض في الشطر الأول أساسيات التجديد المطلوب في النظر المقاصدي وهي نوعان:
      أساسيات تخص الرؤى المعرفية وتشمل:
-بحث الأسس التي يقوم عليها الخطاب المقاصدي بالشكل الذي يتناغم مع الطبيعة الإجرائية للمقاصد.
-بحث استثمار النظر المقاصدي في الاجتهاد ووصله التصريفي بالأحكام الشرعية المجتهد فيها.
-بحث الفلسفة الباعثة على النظر في المقاصد والتي تربط بين القراءتين: قراءة الوحي وقراءة الكون.
     وأساسيات تخص الرؤى المنهجية وتضم:
-التشغيل العملي للنظر المقاصدي.
-إعادة وصل القاصد بالفقه وأصوله.
-فقه المصالح الكونية على نحو عام وشامل.
-استمداد المقاصد من العلوم الإنسانية المعاصرة خصوصا علم الاجتماع.
     أما الشطر الثاني فخصصه لبيان الخطوط العريضة لنظريته البديلة لتطوير الخطاب المقاصدي في أفق تشغيله والتي وسمها ب"التجديد التشغيلي للمقاصد" ويقصد بذلك "استفراغ الوسع في تنزيل الأحكام الشرعية في مواقع الوجود، وتصريفها وفق الجهد التكليفي والقدرة الإنسانية في جميع الحالات التمكينية أو الاستضعافية، وفي كل المواقع الفردية والجماعية"[1]. وذلك على الشكل التالي:
1-مدخل الإمكان الكلي ويشمل:
-الخطاب الفردي أو تأهيل الفرد لثقافة مقاصدية.
-الخطاب الأسري أو التربية على الثقافة المقاصدية.
2-مدخل الإمكان الوسيط ويشمل:
-الخطاب المجتمعي أو إشاعة الثقافة المقاصدية بين الناس.
-الخطاب الدولي أو تدبير استراتجي مقاصدي.
3-مدخل الإمكان الجزئي ويشمل:
-الخطاب الأممي أو وعي حضاري مقاصدي.
-الخطاب العالمي أو تكارم مقاصدي إنساني.
                                              



[1] - د.الحسان شهيد. الخطاب المقاصدي المعاصر: مراجعة وتقويم. ص202.

الأحد، 6 سبتمبر 2015

د.منى أبو الفضل الأمة القطب: نحو تأصيل منهجي لمفهوم الأمة. عرض وتحليل: حفيظ هروس

د.منى أبو الفضل
الأمة القطب: نحو تأصيل منهجي لمفهوم الأمة.
عرض وتحليل: حفيظ هروس

      هناك تواطؤ عام على أن "الأمة" ظلت تشكل على امتداد الزمان الضمير الحي والمخزون النفسي لعموم جماهير الجماعة التي قطنت دار الإسلام، لكنه مع ذلك بقي مجرد انفعالات وجدانية لا أثر له في الواقع المعيش للمسلمين، وعليه فقد أصبح مراجعة هذا المفهوم واجب الوقت قصد الارتقاء به من "مجرد ظاهرة حسية-وجدانية إلى مفهوم عقلي منطقي"[1].
      ومن بين أهم موجبات هذه المراجعة بالإضافة إلى ما سلف ذكره هو المد الإحيائي الإسلامي الكبير الذي يقابله إهمال شديد للعناية بهذا المفهوم وإعماله عن طريق إخراجه من دائرة الظل والخمول إلى حيز النور والفاعلية، ومن هنا تأتي أطروحة الكاتبة "الأمة القطب"، بحيث ترى أن صفة القطبية هي أقرب صفة يمكن إسنادها "للأمة" وهي "الصفة التي مكنت الأمة من الاستقطاب والقابلية والقدرة على التجميع حولها"[2] وهي بهذه الصفة تؤدي وظيفة مزدوجة "من حيث تماسكها الداخلي وانفتاحها وجاذبيتها بالنسبة للغير على المستوى الخارجي"[3].
      إن أهم خصائص الأمة التي انطلقت منها المؤلفة هي ملاحظة أنها "ارتبطت بالعقيدة الدعوة"[4] مما يعني أن "الأمة تدور مع العقيدة، والعقيدة هي منطلق بقاء الأمة"[5]، كما أن العلاقة الجدلية بين الأمة والعقيدة باتت هي "المدخل المنهجي لمراجهة المفهوم"[6] عند كاتبتنا. وقد أضفى هذا الطرح على المفهوم المدروس بعدا غيبيا واضحا بالاضافة إلى الأبعاد الأخرى نتج عنه قصور المناهج المادية في معالجة وتحليل الظاهرة لذا اقترحت المؤلفة بدل ذلك المزواجة في المناهج المتوسل بها لإعادة بناء المفهوم بين الظواهر والماديات ="البرانيات"، وبين القيم والمعنويات ="الجوانيات".
      وبما أن أخص خصائص الأمة هي "العقيدة الدعوة" فإن المحور الرأسي للاستقطاب في أطروحة السيدة منى تعتليه العقيدة ثم تتبعه العبادات بينما تحل العوامل الجغرافية والتاريخية والبشرية أبعادا للمحور الأفقي، وتطغى أهمية العقيدة على غيرها من العوامل لأنها تشكل "مصدر تماسك الكيان الذاتي للفرد، ثم هي مصدر تماسك الكيان الذاتي للجماعة"[7].
      أما الدولة فإنها تبقى في هذه الأطروحة مجرد أحد العناصر المكملة لا أصل البناء "فليست الدولة في الإسلام مدارا للأمة قياما وتطورا وامتدادا وضمورا"[8] بحيث أن "الإسلام عندما جاء بأمة "الأمة" لم يقرنها بحتمية تنظيمية معينة... بل هي القادرة على إيجاد الأشكال والصياغات التنظيمية التي تتلاءم ومعطيات العصر"[9].
      وحقيقة بقاء الأمة واستمرارها مرتبط بخلود أصل نشأتها الحيوي المرتكز أساسا على "المنشأ النفسي المتجدد"[10] وهو منشأ ذاتي لا يستمد عنفوانه من أية جهة خاريجة، هذا بالاضافة إلى المنشأ الأول التاريخي الذي ارتبط بمطلع الدعوة والفترة التكوينية لجماعة المسلمين الأولى. والمنشأ النفسي هو الذي يتيح للأمة استقلاليتها  ويكرس وحدتها.
      ولنا على هذا الطرح التجديدي لمفهوم الأمة ملاحظات نجملها فيما يلي:
1-تقديم الأمة وأولويتها في طرح الأستاذة منى أبو الفضل على جميع الأشكال والصيغ التنظيمية التي برزت أو يمكن أن تبرز فيها وعلى رأسها الدولة التي تراجعت إلى الخلف في هذا التصور يعكس وعيا عميقا بالمأزق الكبير الذي يعيشه الفكر الإسلامي وخصوصا الحركي منه منذ الميلاد المبكر للأطروحات الحركية التي جعلت الدولة تطغى بشكل كبير على اهتماماتها وطموحاتها وأهدافها. حتى أصبحت عبارة عن "أسطورة" مركزية في النسق المفاهيمي لفكر الحركيين كما بيّنت بحق د.هبة رؤوف عزت في كتابها القيِّم "الخيال السيسي للإسلاميين: ما قبل الدولة وما بعدها"[11].
      فالأستاذة منى ما فتئت تصر في كتابها على أن "الأمة هي الأصل" باعتبارها "وعاء القرآن"[12]، وهو طرح كفيل بتنبيه الحركيين إلى ضرورة مراجعة النظريات وإعادة ترتيب الأولويات، ولعل من أثر ذلك النظرة المقاصدية للعلاقة بين الدولة والأمة عند شيخ المقاصديين المعاصرين د.أحمد الريسوني الذي يؤكد بدوره "أن الأمة هي الأصل وليس الدولة"[13]، معززا أطروحته بكون الخطاب الشرعي في جل النصوص التكليفية الشرعية "هو أساسا وابتداء للأمة ولجماعة المسلمين"[14]. ومن ثمَّ يردُّ الكثير من القضايا التي اعتبرها الفقه التقليدي لصيقة بالدولة إلى الأمة فهي في نظره بها ألصق وبمهامها أشبه، ومن ذلك قضايا الدعوة ونصرة الدين وتغيير المنكر وتحقيق الشورى.
          وهذا الطرح النظري الذي ينزِع عن الدولة قدسيتها ويردها إلى حجمها الطبيعي وينتصر في المقابل للأمة كفيل بأن يعيد للمجتمع عمليا دوره وحجمه الحقيقي في بناء النسق المعرفي والسياسي في المجتعات التي يغلب على طابعها الخصائص الإسلامية العامة ولعل هذا الكتاب يعتبر من اللبنات الرائدة في هذا الباب.
2-الطريقة الحجاجية والأسلوب الذي تعرض به الكاتبة نظريتها يعوزه الكثير من آليات الاقناع خصوصا وأنه يحفر في أرض بقيت حكرا مدة ليست باليسيرة على الخطاب الديني، وبالتالي فإن التوسل بنفس الخطاب والأسلوب يكون أدعى للإقناع والمنافحة بينما الاتكاء على الخطاب القانوني الإنساني الذي لا يُنكر أهميته –خصوصا وأن الكاتبة تؤكد على ضرورة الوصل بين الإسلاميات والإنسانيات- يبقى أقل فاعلية في مواجهة خطاب الحركيين المفعم بالنص الديني.
3-ربط مفهوم الأمة القطب بالعقيدة عند كاتبتنا مشكل، وهو نفس الشيء الذي آل إليه طرح الأستاذ الريسوني الذ يرى أن الأمة هي "أمة الإسلام، وهي جماعة المسلمين"[15]، وأرى أن الإشكال يبرز من جانبين اثنين هما: أولهما الإشكال التاريخي المتعلق بوضعية غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، وثانيهما عدم القدرة على الانفتاح على مفهوم المواطنة بالمعنى المعاصر. ثم إن ربط مفهوم الأمة بالمضمون الديني يتعارض مع الاستخدام النبوي لهذا المفهوم في صحيفة المدينة التي اعتبرت الجماعات الدينية اليهودية أمة من الناس "وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين" وهي ملاحظة ثاقبة اتكأت عليها د.هبة رؤوف في افق التطوير السياسي لمضمون الأمة[16].
      كما أنه –أي ربط الأمة بالمضمون الديني- يحُول دون تطوير المفهوم في أفق المسلك السياسي بدل المسلك الديني الصرف، وهذا لا يعني بالضرورة تبني التعريف "القومي" لهوية الأمة بالطريقة التي تشكلت بها في الأدبيات السياسية الغربية وإنما القصد فتح نوافذ تجديدية للمفهوم تحت المظلة السياسية المتسعة لجميع الناس بدل الانحباس في المعطى الديني الذي سيخلق اختناقات هوياتية على مر الزمان.
   



[1]- د.منى أبو الفضل، الأمة القطب: نحو تأصيل منهجي لمفهوم الأمة. مكتبة الشروق الطبعة الأولى 2005. ص36.
[2] -نفسه ص29.
[3] -نفسه ص51.
[4] -نفسه ص24.
[5] -نفسه ص24.
[6] -نفسه ص24.
[7] -نفسه ص67.
[8] -نفسه ص24.
[9] -نفسه ص56.
[10] -نفسه ص78.
[11] -د.هبة رؤوف عزت، الخيال السيسي للإسلاميين: ما قبل الدولة وما بعدها. الشبكة العربية للأبحاث والنشر. الطبعة الأولى 2015. ص72.
[12] - د.منى أبو الفضل، الأمة القطب ص55.
[13] - د.أحمد الريسوني، الأمة هي الأصل: مقاربة تأصيلية لقضايا الديمقراطية وحرية التعبير. الشبكة العربية للأبحاث والنشر. الطبعة الثانية 2013. ص10.
[14] -نفسه ص12.
[15] -نفسه ص9.
[16] - د.هبة رؤوف عزت، الخيال السيسي للإسلاميين ص102.