الخميس، 3 مايو 2018

شعر الفقهاء بين ابن خلدون وعبد الله كنون.
      قرض الكثير من الفقهاء وأمثالهم من العلماء في تخصصات شتى كاللغويين والمتكلمين الشعر، ونظموا الكثير من القصائد والمقطّعات، وقد استعملوا الشعر والقريض لأغراض كثيرة، فبالإضافة إلى كونهم اعتبروه وسيلة تعليمية فكتبوا المنظومات المختلفة قصد تقريب العلم إلى التلاميذ والطلاب، وتسهيل حفظ مسائله وتذكر قواعده، أو عقدوا أشعارهم في بعض الأحاديث والآثار من مثل ما جمعه السيوطي في جزء خاص سماه "الازدهار في ما عقده الشعراء من الأحاديث والآثار" وغيره، فإنهم أيضا لامسوا الأغراض الشعرية الخالصة في أشعارهم كالنسيب والمدح والفخر والرثاء وغيرها، لكن الكثير من النقاد شغبوا عليهم، ولمزوا شعرهم بالضعف ورموا عملهم بكل نقيصة، وعبارة ابن بسام مشهورة في الباب: "إن شعر العلماء ليس فيه بارقة تسام"، لكنني خصصت الكلام هنا عن العلامة عبد الرحمن بن خلدون لقوة عارضته في التعليل، وقدرته على فتق أسباب ذلك والإبانة عن المقصود، لهذا اتخذ كلامَه مرجعا كلُ من طرق الموضوع بعده سواء بالنقد أو التأييد، كما أنه يظهر لنا وجها آخر من وجوه إبداع ابن خلدون في النقد والتحقيق باعتباره هذه المرة ناقدا أدبيا رفيعا.
       يقول ابن خلدون "كان الفقهاء وأهل العلوم كلهم قاصرين عن البلاغة" لهذا غالبا ما نجد شعرهم "ممن لم يمتلئ من حفظ النقي الحر من كلام العرب" (المقدمة 496). ثم ذكر قصة مشهورة أصبحت مرجعا في الباب، مفادها أن أبا القاسم بن رضوان أنشد قصيدة لابن النحوي على أبي العباس الجزنائي كاتب السلطان أبي الحسن المريني دون أن ينسبها له ومطلعها:
      لم أدرِ حين وقفت بالأطلال **  ما الفرقُ بين جديدها والبالي.
      فقال له على البديهة: "هذا شعر فقيه" فقلت له" من أين لك ذلك؟ قال من قوله: "ما الفرق، إذ هي من عبارات الفقهاء، وليست من أساليب كلام العرب". (المقدمة 496).
      ومحصّل تفسير ابن خلدون لهذا الضعف المتأصل في الفقهاء في باب الشعر هو ما سبق إلى محفوظهم من "القوانين العلمية والعبارات الفقهية الخارجة عن أسلوب البلاغة والنازلة عن الطبقة"، بحيث كلما تمكنت منهم اللغة الفقهية الصناعية في أول أمرهم قصرت بهم عن تحصيل ملكة البلاغة ورعاية الأساليب التي اختصت العرب بها الشعرَ واستعملتها فيه. (المقدمة 489)، ويقصد بهذه الأساليب "هيئة ترسخ في النفس من تتبع التراكيب في شعر العرب لجريانها على اللسان حتى تستحكم صورته" (المقدمة 491) أو قل هو "المنوال الذي تُنسج فيه التراكيب" (المقدمة 489)، ومَردّ إدراك هذا التعليل هو ربطه بمذهبه في تفسير الكثير من الظواهر الإنسانية مثل تعلم العلوم واللغات والصناعات المبني عنده على قاعدة ذهبية وهي "أن الملكة إذا تقدمت في صناعة بمحل، فقلّ أن يجيد صاحبها ملكة في صناعة أخرى" (المقدمة ص468)، وأمر آخر يجب الانتباه إليه ليتسنى لنا فهم وإدراك حكم ابن خلدون على شعر العلماء والفقهاء وهو مفهوم الشعر عند الرجل، فهو عنده ليس مجرد كلام موزون مقفى كما درج النقاد القدماء على تعريفه بل هو بالإضافة إلى ذلك "الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف... الجاري على أساليب العرب المخصوصة به" (المقدمة 492) وعليه فليس كل ما كان من الكلام منظوما يسمى شعرا بل شرطه أن يجري على أساليب العرب الشعرية وإلا كان نظما. 
      لكن رأي ابن خلدون لم يكن مسلما دائما، فرغم أن الكثير من المترجمين وأصحاب الطبقات المختلفة والعديد من النقاد كانوا يغمزون شعر الفقهاء من طرف خفي عندما كانوا ينعتونه في تراجم وسير هؤلاء بقولهم "هذا شعر فقيه" كما فعل صاحبنا الجزنائي فإن هناك آخرين عارضوا الأمر وبادروا إلى إثبات خفة هذا الحكم وبطلانه، فألفوا المطولات لتفنيد هذا الرأي مثل كتاب حسني ناعسة "شعر الفقهاء: نشأته وتطوره حتى نهاية العصر العباسي الأول"، وكتبوا الرسائل الجامعية التي خصصوها بفترة زمنية معينة أو جهة جغرافية محددة، بل وأنتجوا البرامج الإذاعية مثل البرنامج الماتع "فقهاء أدباء" للدكتور عادل باناعمة وغيرها، لكنني خصصت الحديث هنا عن صنيع عبد الله كنون في كتابه "أدب الفقهاء" لأنه فقيه وأديب شاعر جمع بين الشأنين فرُدَّت على الأمر أقاصيه كما يقولون.
      كتب عبد الله كنون كتابه المذكور لإنصاف شعر الفقهاء والمحاماة عنه، وقصده البعيد هو أن تستوعب الدراسات الأدبية هذا النوع من الأدب والشعر وألاَّ تظل حكرا على المنتخبات المعروفة والأسماء الرسمية. (أدب الفقهاء 4)، كما أنه يشير إلى أن الشاعرية تحتاج إلى الملكة "وهي الاستعداد النفسي الذي ينميه الحفظ وتصقله الممارسة" (أدب الفقهاء 8)، وهي عنده غير الذوق الذي هو معيار النقد، وعليه فليس كل ناقد للشعر شاعرا كما أنه ليس كل ناقد للأدب أديبا، لكن هذا لا يعني أنه لا يوجد من يجمع بينهما مثلما لا يعد غريبا أن يجمع المرء بين الفقه والشعر، لهذا لم يكن مستحسنا من الجزنائي أن يَسم شعر ابن النحوي بأنه "شعر فقيه" لمجرد كلمة وردت فيه، وعليه ف"الحكم الصائب في هذه المسألة هو أن المدار على وضع الكلمة أو المصطلح في الجملة أو الفقرة التي تتضمنها، فإن كان ذلك مما لعب فيه الذوق النفسي دوره وأداه بعناية كان مقبولا ومستحسنا وإلا بأن تقلقلت العبارة وضاقت باللفظة المقتبسة فإن من حق الناقد أن يدين الأثر الأدبي الذي يقع في هذا المحظور" (أدب الفقهاء 13).
       بعد ذلك توسع الرجل في إيراد الأدلة المختلفة، وسوق الشواهد المتعدد على شاعرية الفقهاء في الأغراض الشعرية المعروفة أو فيما تميز به الفقهاء وقلَّ نظيره عند المطبوعين من الشعراء. ومن الأدلة التي أوردها في مرافعاته منها ما ناقض بها استدلال ابن خلدون واستنتاجاته في المسألة:
-فقد استدل على نقد كلمة الجزنائي  بشعر أبي الطيب المتنبي الذي يعتبره "شاعر العرب الأكبر"، وبيّن كيف أن سموق شاعرية المتنبي وفحولته لم تمنعه من إيراد بعد الكلمات في شعره التي قد تفهم على أنها من عبارات الفقهاء واصطلاحات النحاة، لكن هذا الدليل لا يفت من عضد دعوى ابن خلدون ولا ينقضها لأنه لا يعتبر نظم المتنبي ومثله نظم أبي العلاء المعري من الشعر في شيء "لأنهما لم يجريا على أساليب العرب" (المقدمة 492)، والغريب أن هذا ليس حكم ابن خلدون وحده بل هو رأي نقله عن شيوخه في الصناعة الأدبية الذين كانوا "يعيبون شعر المتنبي والمعري بعدم النسج على الأساليب العربية.. فكان شعرهما كلاما منظوما نازلا عن طبقة الشعر" (المقدمة 493) ودليلهم الحاكم في ذلك هو الذوق.
-وكذلك استدلاله بالربانيات والنبويات التي أبدع فيها الفقهاء وجاءوا فيها بما لم تأت الأوائل من الشعراء ولا الأواخر وخصوصا ما يسميه صاحبنا بشعر السيّر الذي جاء أقرب ما يكون إلى الشعر القصصي كبردى البصيري وهمزيته "فإنها وإن كانت تعتمد المادة التاريخية في مضمونها، لا تألو جهدا في استخدام الخيال وتجسيم الصور وإثارة العواطف" ثم إن "هذا اللون الطريف من أدب الفقهاء يكون بابا من الشعر لم يطرقه غيرهم من الأدباء" (أدب الفقهاء 16)، لكن رأي ابن خلدون في هذا اللون من الشعر مناقض لما ذهب إليه كنون، ذلك أن من معايير نزول الشعر عن مرتبة البلاغة عنده أن يطرق فيه الشاعر المعاني المبتذلة والألفاظ المتداولة كما هو الشأن في الربانيات والنبويّات التي لا يحذق فيها إلا الفحول. (المقدمة 493)
      وعليه فإننا نميل من جهة النظرية إلى رأي كنون في أن العبرة بحضور الملكة في الشعر سواء كان قائله فقيها أو غير فقيه ولا يمكن الغض من مكانة الشعر لمجرد أن قائله فقيه لأنه حكم تنفر منه الطباع السليمة والذوق الرفيع، لكن ملاحظة ابن خلدون من الناحية الواقعية كانت ثاقبة لأن أغلب أشعار الفقهاء لا كلها فقيرة من حيث الصور الشعرية والإيقاع الموسيقي ورسوم البلاغة العربية، وذلك لأن معظم شعرهم استهلكته موضوعات الحكمة والأخلاق وأغراض التعليم.
      وفي الأخير لا يسعنا إلا أن نردد مع الزهاوي :
      إذا الشعر لم يهززك عند سماعه ** فليس خليقا بأن يقال له شعر.
حفيظ هروس 3/5/2018

الثلاثاء، 27 فبراير 2018

المتلمس الضبعي: الشاعر الثائر.

المتلمس الضبعي: الشاعر الثائر.
     المتلمس الضُبَعي شاعر جاهلي مُقل، لكنه ذو أنفة وعزة، صاحَبَ في بداية أمره الملك عمرو بن هند لكنه جفاه بعد ذلك لما تيّقن ظلمه وجوره، وعاش بعيدا عن وطنه غريبا منفيا، ولكن بكرامة وعزة نفس.
     ولعل السبب في هذه الجفوة وما تلاها من البلاء والمحنة هو الإباء وشموخ النفس وتعاليها عن قبول الضيم والرضوخ للمذلة التي عُرف بها هذا الشاعر الثائر، وقد عبّر في أشعاره بقوة عن هذا المعانى فأجاد وأفاد، فمن ذلك قوله لقومه مستنهضا لهم:
     ولن يُقيم على خسفٍ يُسامُ به ** إلا الأذلاَّن عيرُ الأهلِ والوتدُ
     هذا على الخسفِ مربوطٌ برمَّته   **  وذاك يُشجَّ فما يَرثي له أحدُ[1].
وقوله أيضا:
     فلا تَقبلَنْ ضيما مخافةَ ميتَةٍ  **  ومُوتَنْ بها حرا وجلدك أملس[2]  
     فما الناسُ إلا ما رأوا وتحدثوا  **  وما العجز إلا أن يُضاموا فيجلسوا[3].
ويصف حاله وحال قومه في الثورة ضد الجبابرة الطغاة:
     وكنا إذا الجبارُ صعَّر خده  **  أقمنا له من ميله فتقوَّما[4].
     والمتلمس ليس في هذا الباب شاذا ولا منفردا بل له أنداد وأمثال كثر، فالمطلع على أحوال العرب وأخبارهم قديما يجد أن من بين مكارم الأخلاق التي كان العربي القح يتحلى بها هي رفض الضيم والظلم، فقد كان يؤثر أن يعيش في الصحراء حرا طليقا رغم شظف العيش وخشونته على أن يقع في الأسر ويكون عبدا ذليلا لغيره.
     وأظن أن السبب الرئيس في ذلك هو عراقة العرب في البداوة وخشونة العيش، وتوغلهم في الصحاري والقفار حيث ألفوا الحرية والشجاعة وأنفوا من الدعة والهوان، وقد أجاد ابن خلدون وصف ذلك وتحليله في مقدمته، وأضاف أن نقيض ذلك من وجوه الحضارة والترف والانغماس في النعم مُذهب لسورة الغضب، مُتلف لأخلاق الإباء والنخوة، وقد يكون هذا النقيض هو الداء العضال الذي ينخر نفوس الكثير من العرب اليوم لاستكانتهم للاستبداد وقبولهم بالذل والصَغار.



[1] -ديوان المتلمس الضبعي، تحقيق: حسن كامل الصيرفي. ص211.
[2] -أي لم يصيبك عار
[3] -ديوان المتلمس ص111.
[4] -الديوان ص24.

الجمعة، 5 يناير 2018

د.محمد المزوغي في نقد الاستشراق: المحور أركون/صالح ملاحظات عامة.

د.محمد المزوغي
في نقد الاستشراق: المحور أركون/صالح
ملاحظات عامة.
حفيظ هروس
     يمكن القول أن هذا الكتاب ينتمي لحقل "نقد نقد الاستشراق"، فمنذ صدور كتاب إدوارد سعيد "الاستشراق"، ومن قبله مقال أنور عبد الملك الذائع الصيت "الاستشراق في أزمة" انبرى العديد من الكتاب من اتجاهات فكرية مختلفة للدفاع عن الاستشراق ودحض أقوال نقاده، وقد همّت هذه الحركة الضد نقدية المستشرقين أنفسهم في البداية، فقد حاول الكثير منهم تبرير أعمالهم، والدفاع عن التقاليد البحثية التي ترسّخت عبر القرون في الحقول الاستشراقية المختلفة، ونجد من بين هؤلاء المستشرقين فرانسيسكو غابريلي وماكسيم ردونسون والبرت حوراني وغيرهم، ورغم دفاعهم المستميت عن التوجهات العامة للاستشراق، ونبل مقاصده المنبنية على فضيلة "الفضول المعرفي" في نظرهم، فقد اعترفوا هم أنفسهم بوجود العديد من وجوه القصور في دراساتهم. وقد سار على منوال هؤلاء المستشرقين وسلك مسلكهم الكثير من المفكرين العرب أمثال صادق جلال العظم ومهدي عامل اللذين تعتبر كتابتهما من أمتن البحوث في الباب.
     وعليه يمكن القول إجمالا أن محمد المزوغي ينتمي إلى هذه الفئة من المفكرين التي حاولت تفكيك بنية المدرسة الضدية في الاستشراق التي عملت على فضح أغراضه الاستعمارية، ونسف بناءاته العنصرية، ودحض مقولة المركزية الأوروبية في الدراسات الاستشراقية من خلال سبر أغوارها، والاطلاع العميق على مناهجها وأفكارها.
     وهكذا فقد انصبت مجهودات الرجل في هذا الكتاب على نقد موقف أركون وتلامذته من الاستشراق عموما، والمنهج الفيلولوجي على وجه الخصوص، فهو يعتبر أن الانخراط الواعي أو غير المقصود في نقد الدراسات الاستشراقية وبيان تهافت قراءاتها، وكذا التقليل من أهمية المنهج الفيلولوجي بزعم الدعوة إلى الانفتاح على العلوم الإنسانية يصبُّ في مصلحة الرجعيين في العالم العربي وعلى رأسهم الإسلاميين، ويقوي مراكزهم، ويدعم نفوذهم الفكري والسياسي، الشيء الذي يجعل من هذه القراءات النقدية تقع في تحالف موضوعي مع هؤلاء الرجعيين الذين لا يتوانى عن وصفهم بالإرهاب والعمالة. يقول في هذا الصدد: "إن أركون وصالح هما مثال عيني صارخ لما آلت إليه حالة الثقافة العربية الراهنة من بؤس وتقهقر جراء التحالفات المريبة... بين مفكرين علمانيين... وبين طغمة الإسلاميين في كفاحهم ضد الاستشراق وتشويه سمعة المستشرقين"[1].
     كما أنه يعتبر من جهة أخرى أن هذا النقد يؤدي إلى إذكاء نَزاعات الغلو والتطرف، وهو ما قام به محمد أركون أحسن قيام في نظره، يقول: "ساهم أركون بمعية مثقفين عرب آخرين من أمثال المؤرخ التونسي هشام جعيّط ومن قبله أنور عبد الملك في هذا الدمار، بحيث كل الذين نقدوا الاستشراق الأكاديمي والفيلولوجيا وكل من أدلى بدلوه بحسب الطاقة والوسع في هذه المعركة اللابطولية ذكّى الغلو والإرهاب"[2] .
     بناء على ذلك فإنه يصب حمم غضبه على محمد أركون وتلامذته الذين غرقوا في وحول هذه الخطيئة العلمية التي لا تغتفر "لقد بيّنت في كتابي هذا أن العدو الأوحد لأركون وصالح هما الاستشراق والفيلولوجيا"[3]، كما أنه اعتبر أن هذا الطعن "العشوائي" الذي جذّره أركون كانت له نتائج كارثية[4].
     والمتتبع لأحوال الرجل في عمله ونقده نجده يتكئ على منطلقات مضمرة غير سليمة، وسوابق قصدية غير بريئة تنضح بها تعبيراته، وتفضحه فيها انفعالاته، ويمكن إجمال هذه السوابق المضمرة والقصود المكنونة في ما يلي:
-أولها العداء التام للدين ولظاهرة الوحي وللنبوة، وللدين الإسلامي ونبيه على وجه الخصوص، فعباراته العدائية مسفرة غير متبرقعة، ظاهرة غير محجوبة، ف"الأديان هي العدو الأشرس للعالم"[5]، و"الدين هو في كل الأحوال عائق وليس محركا للمجتمعات"[6]، والأنبياء "أفزعوا البشرية بتعاليمهم وأفعالهم"[7]، والموروث الإسلامي مشكوك في صحته، وجمع القرآن "قصة خيالية"[8]... وغيرها من العبارات والفقرات التي يعج بها الكتاب، ولا يستغرب المرء إذا علم أن الرجل أحد كبار الملحدين وصناديد المنكرين للأديان والرسالات، فالبرجوع إلى كتابه "تحقيق ما للإلحاد من مقولة" الذي ألفه لدحض أطروحة المفكرين المؤمنين وأشباه المؤمنين يقول بكل وضوح "نقول... إن اليوم ودائما يمكن للمرء أن يقول إن الله غير موجود... وإن هناك حججا فلسفية متينة لكي يغدو المرء ملحدا، أو على أية حال لكي يرفض الدين"[9]. وليس من العيب في شيء أن يتبنى المرء هذا الموقف أو أن يسعى أن يستدل عليه بالحجج والبراهين، ولكن العيب هو في تلك النبرة العدائية للدين، واللهجة الساخرة من المؤمنين وعقائدهم التي تناقض العلم والمنطق وتغرق في مواقف ايديولوجية متجاوزة.
     وسبب حملته على نقاد الاستشراق مرتبط بهذه الايديولوجيا الباردة، فهو يعتقد أن هذا النقد يخرم الجهود التي بذلتها الدراسات الاستشراقية في النيل من العقائد الدينية وهدم أسسها، كما أن مواجهة هذه الدراسات بالنقد يطيل أمد العقائد الدينية ويمكّن لها.
-ثانيهما الكره العميق للإسلاميين ومن دار في فلكهم، أو تقرب منهم، أو تعاطف مع القضايا التي يناضلون من أجلها، وقد كال لهم أشنع النعوت وأبشع الصفات أجمعها لغله لهم قوله في حقهم: "الإسلاميون بجميع فصائلهم، عنوان العمالة واللاوطنية والخيانة والانتهازية والإرهاب"[10]، وهكذا جمعهم في سلة واحدة بدون تحقيق ولا تدقيق ولا تفريق. وسبب اهتمامه بهم في مؤلفه هذا اعتقاده أن أركون بمواقفه النقدية للاستشراق ومناهجه الفيلولوجية التي تهدم أصول الإسلام وعقائده يقف في صفهم ويناصر قضاياهم، لهذا لا يتورع عن وصفه هو أيضا بأنه إسلامي متخفي أو علماني متملق وغيرها، وأنه ما زال "يرزح تحت سلطة القناعات الدينية الإسلامية"[11].
-ثالثهما المعارضة المبدئية لأركون ومدرسته وتلامذته، وهو الذي خصّ مشروعه "الإسلاميات التطبيقية" بنقد تفصيلي في كتابه "العقل بين التاريخ والوحي: حول العدمية النظرية في إسلاميات محمد أركون" والذي يشي عنوانه الفرعي بالموقف السلبي للرجل من مشروع أركون، لهذا فإنه في الكتاب الذي بين أيدينا لا يدع كلمة سيئة إلا ويصف بها هذا المشروع، فهو "مشروع تجهيلي بالأساس"[12]، كما أنه "مشروع عبثي تخريبي بأتم معنى الكلمة"[13]، أما عن انفتاحه المنهجي فهو مجرد "طرح أسئلة وعدم تقديم أجوبة، يعني... منهج اللامنهج، عبث فكري لا غير..."[14]. والشيء نفسه، والنعوت ذاتها يكيلها لمن يصفهم بأتباع أركون وتلامذته أمثال هشام صالح ومحمد حداد وآمنة الجبلاوي.
-رابعها التبجيل للإرث الاستشراقي والمنهج الفيلولوجي بزعم قدرة هذه الدراسات وهذه المناهج على هدم العقائد الإيمانية و"اعتماد نظرة عقلانية متحررة للقرآن والوحي والنبوة"[15]، فرغم أنه يدعي أن الدراسات الاستشراقية ليست محصنة ضد التشكيك والدحض[16]، فإنه يقف بالمرصاد لكل المحاولات الجادة التي تعمل على تفكيك الإنشاء الاستشراقي عن طريق توظيف العلوم الإنسانية والمناهج النقدية الحديثة.
      لكن في المقابل لا يجد أي حرج في التعرض بالنقد لبعض المستشرقين وانتاجاتهم المعرفية، من الذين أزعجته بعض أرائهم المتملقة للدين الإسلامي في نظره، مثل أراء برنارد لويس الذي يعتبره عرّاب المؤامرة التخريبية الكبرى "أعني تحالف الإسلاميين والغرب لتدمير العالم العربي وتفتيته بالكامل"[17]، وهو بهذا سقط في تناقض مريع وازدواجية مرفوضة حيث يدافع عن الاستشراق ضد منتقديه وفي نفس الوقت يمرغ في التراب بعض المشاريع الاستشراقية، وهذا التناقض والازدواجية هو ما عابه بالضبط على أركون الذي وصفه بأنه "يهجم على المستشرقين هجمة شرسة، ثم يعود أدراجه فيتصالح معهم ويثني عليهم"[18]، أما صاحبنا فإنه يدافع عنهم ضد خصومهم دفاعا مستميتا ثم يعود إلى الهجوم على الذين لا تروقه أفكارهم فيصفهم بأقذع النعوت والأوصاف. وكأنه لم يدرك أن الاستشراق فيه الغث والسمين، والحسن والقبيح لهذا فكل من التبجيل المطلق أو التبخيس المطلق هو موقف مبني على غير أساس.
     أما الموقف المتبصر من الدراسات الاستشراقية فهو الذي يقوم على أساس دراسة وتحليل الأفكار في أصولها المعرفية وفحص المناهج التي توسلت بها هذه الدراسات، بعيدا عن المواقف الايديولوجية اليابسة. 




[1] -د.محمد المزوغي، في نقد الاستشراق: المحور أركون/صالح. افريقيا الشرق 2017. ص28.
[2] - نفسه ص198.
[3] -نفسه ص6.
[4] -نفسه ص118.
[5] -نفسه ص33.
[6] -نفسه ص39.
[7] -نفسه ص184.
[8] -نفسه ص43.
[9] -د.محمد المزوغي، تحقيق ما للإلحاد من مقولة. منشورات الجمل، الطبعة الأولى 2014. ص6.
[10] - د.محمد المزوغي، في نقد الاستشراق ص63.
[11] -نفسه ص39.
[12] -نفسه ص72.
[13] -نفسه ص74.
[14] -نفسه ص123.
[15] -نفسه ص25.
[16] -نفسه ص33.
[17] -نفسه ص54.
[18] -نفسه ص113.

الأربعاء، 29 نوفمبر 2017

حسن أوريد مرآة الغرب المنكسرة

حسن أوريد مرآة الغرب المنكسرة
أثار الأستاذ حسن أوريد في هذا الكتاب العديد من القضايا التي يعتبرها الغرب عموما مصدر قوته وتفوقه، والتي منحته بالفعل العديد من عناصر التقدم والتطور، لكن نقط القوة هذه نفسها هي التي تشكل اليوم مواطن ضعفه ونقصه بسبب ما أصابها من الأمراض وتطرق إليها من الأدواء، فأصبحت بمثابة مرايا منكسرة لا تعكس الصورة الحقيقية الناصعة لهذه المبادئ، بل تظهر تصدعات وتشققات ستؤدي حتما إلى انهيار القيم الإنسانية الأنوارية التي بنى عليها الغرب حضارته.
وهذه المبادئ هي: اقتصاد السوق الذي ينخر كيانه هيمنة المال وشيوع قيم الاستهلاك في ظل الرأسمالية المالية التي تصبو إلى السيطرة على العالم والتحكم فيه عن طريق المؤسسات المالية العالمية وإملاءاتها المجحفة، ثم التحرر العقلي الذي زاغ عن سكته عندما أصبح ذا طابع مادي آلي بحت، وبعدهما الثورة الجنسية المستندة على التحرر الجسدي بدون حدود ولا قيود، ثم الإعلام والصورة اللذان اخترقهما الإشهار واستعبدهما، وكذلك الديمقراطية التي استكانت إلى التأثيرين المالي والإعلامي فأصبحت في مهب الريح.

هذه عموما هي أهم القضايا التي ناقشها الرجل في الكتاب باعتبار مآلاتها المأسوية التي غدت تشكل مرايا الغرب المنكسرة التي تظهر صورته المتصدعة رغم البريق واللمعان. وهو عند مناقشته لهذه القضايا يجنح في الكثير من المرات إلى ابتسار واختصار أراء العديد من المفكرين والفلاسفة الغربيين وينزع أقوالهم من سياقاتها الشيء الذي يجعل هذه الأقوال تبدو غير مفهومة ولا واضحة، كما أنها تشعر القارئ بالكثير من الملل، لكنه بالمقابل عندما يعمد إلى تحليل هذه الإشكالات ونقدها انطلاقا من أرائه الخاصة تكون حجته أقوى وآراؤه أوضح، ويشعر معهما القارئ بلذة القراءة ومتعة النقاش.

الثلاثاء، 21 فبراير 2017

Nabil Maalouf
Les échelles du levant
J’ai déjà lu cet ouvrage distinct dans sa traduction à l’arabe il y a longtemps, mais j’ai oublié carrément la plupart de ses détails, sauf  la souffrance sévère de  Ossyane le héros inoubliable dans sa résidence restreinte à l’hôpital de Duwwab à cause de la trahison de son petit frère qui est possédé par la haine et l’avidité depuis son enfance.
La vrai question qui attend une réponse raisonnable c’est : pourquoi  Ossyane n’a pas osé quitter sa résidence, ou plutôt pourquoi il n’a rien fait pour s'échapper même s’il avait beaucoup d’occasions?. Cette question me rappelle un autre événement semblable dans le roman très connu de l’écrivant palestinien Ghassan Kanafani  des hommes dans le soleil, quand il a posé sa question problématique : pourquoi n’ont-ils pas frappé sur les parois de la citerne ?.
Cette situation ontologique qui démontre la faiblesse humaine nous conduit à sonder la profondeur de notre personnalité commun à travers les interprétations convenable du comportement d’Ossyane, on découvre les détails qui concernent la vie quotidienne de cette personnalité bien compliquée : ses origines princières, son éducation dure, son isolément insupportable…etc.      
Est-il possible que ses circonstances sont suffisants pour expliquer ses comportements négatifs ?  Pourquoi n’a-il  pas exploité tous ses connaissances et ses expériences pour dépasser les obstacles qui lui a entravé dans son chemin?.  
Certainement non, donc il ne nous reste que de chercher d’autres réponses ailleurs. A mon avis la seule réponse par quoi on peut conclure selon l’évolution des événements de l’histoire c’est l’espoir, et toujours l’espoir même si cet espoir est négatif.
Un autre objet qui mérite d’être discuté là, c’est celle de la question Palestinienne. Nous savons que la seule chose qui mène  Ossyane à la gloire et la célébrité c’est sa participation à la résistance française quand il a  lutté contre l’occupation et l’humiliation, mais ma grand surprise émerge lors ce qu’on trouve que ce héros Libanais imbattable n’a rien fait contre l’occupation Israélien qui viole la terre et l’histoire arabe en Palestine. Est-ce que l’amour de sa femme juif Clara l’a empêché ?. Je ne sais pas, mais je suis certain que l’écrivain Nabil Maalouf qui a essayé d’être neutre n’a pas raison.     

الأحد، 12 فبراير 2017

Paullo Coello The devil and Miss Prym: An eternal struggle between evil and good.

Paullo Coello
The devil and Miss Prym:
An eternal struggle between evil and good.
As he  did in his most of novels, P.Coello attempts to illustrate in this distinctive work the eternal fight of the human  soul between light and darkness. How can  people enlightenth their spirits and prevent the attractive desires to lead them to be the confidential servant  of the evil?
M… the stranger examines  in his journey   the nature of the soul behavior, and discovers her resistance against  the bad under the attractiveness of the gold. He chooses his target carefully, a small calm village, with a tiny number of inhabitants, where he tried to awake their common eagerness toward the richness. As soon as he arrive in Viscos, he meets Miss Pryn the main character, whose characteristics and lifestyle  allow her to become a suitable candidate for the stranger to reach his aim. This first meeting was  in a nearby forest where he shows her the golden bars and persuades her to convince Viscos’s inhabitants to kill one of them and he would give them the gold.
After a long time of hesitation, Miss Pryn decided at last to tell the story to Viscos inhabitants, who they choose Berta as a victim to alter Viscos into wealth.
Basically, Berta is accused as a witch, due to her very weird personality. She spends all her life outside her house watching  every simple movement in the village. Besides, she keeps in touch with the soul of  her late husband . Despite the fact that her main role is to protect the whole village from the Devil, she is chosen as a victim. There, in my opinion the key question arises:  how can the guardian soul of the village  be the victim at the same time? Did the inhabitants fail in their decision?.
Undoubtedly,  the main purpose of the author is to show the reader the dark side of human being especially the churchman who becomes the Devil instrument in this novel .
Finally, the light shone in a dark corner of the Miss pryn’ soul when she made  the right decision against  the priest= religion power, and village’s mayor=politic power, and dissuaded others  to commit this brutal tragedy. 

السبت، 19 ديسمبر 2015

الخطاب المقاصدي المعاصر: مراجعة وتقويم. د.الحسان شهيد.

الخطاب المقاصدي المعاصر: مراجعة وتقويم.
د.الحسان شهيد.
     يتألف الكتاب عموما من شقين، الشق الأول تناول فيه المؤلف الخطاب المقاصدي المعاصر بالمراجعة والتقويم، بينما توزع الشق الثاني على الإشارة إلى الخطوط العريضة لمشروع ما يزال في طور البناء قصد تجاوز العلل والنقائص التي يشكو منها الخطاب المقاصدي المعاصر وسمه بمشروع التشغيل المقاصدي.
     بخصوص الشق الأول فإن العلل التي يشكو منها الخطاب المقاصدي المعاصر لخصها الكاتب في أربع رئيسة هي:
-التاريخية:ويقصد بها استحواذ الطابع التاريخي على الدراسات المقاصدية في عصر نحن أحوج ما نكون إلى خطاب مغاير وأولويات مغايرة.
-التجريدية: وينحو باللائمة على هذا الخطاب المقاصدي لانشغاله البحثي والأكاديمي بالدراسات التجريدية وميله نحو ما هو نظري وبعده عن ملامسة القضايا العملية.
-الفصامية: ويعني بها دراسة المقاصد مفصولة عن مجالها الأصلي الفقه أو عن مجالها التقعيدي أصول الفقه وهي أم العلل في نظره.
-الفلسفية: عن طريق محاولة تأصيل القيم الفلسفية والإنسانية من جهة نظر مقاصدية... حيث انتهى الأمر بالخطاب المقاصدي إلى استدعاء الواقع بإكراهاته وضروراته الوجودية في التقصيد الكلي العام.
     أما الشق الثاني فقد وزعه إلى شطرين:
     استعرض في الشطر الأول أساسيات التجديد المطلوب في النظر المقاصدي وهي نوعان:
      أساسيات تخص الرؤى المعرفية وتشمل:
-بحث الأسس التي يقوم عليها الخطاب المقاصدي بالشكل الذي يتناغم مع الطبيعة الإجرائية للمقاصد.
-بحث استثمار النظر المقاصدي في الاجتهاد ووصله التصريفي بالأحكام الشرعية المجتهد فيها.
-بحث الفلسفة الباعثة على النظر في المقاصد والتي تربط بين القراءتين: قراءة الوحي وقراءة الكون.
     وأساسيات تخص الرؤى المنهجية وتضم:
-التشغيل العملي للنظر المقاصدي.
-إعادة وصل القاصد بالفقه وأصوله.
-فقه المصالح الكونية على نحو عام وشامل.
-استمداد المقاصد من العلوم الإنسانية المعاصرة خصوصا علم الاجتماع.
     أما الشطر الثاني فخصصه لبيان الخطوط العريضة لنظريته البديلة لتطوير الخطاب المقاصدي في أفق تشغيله والتي وسمها ب"التجديد التشغيلي للمقاصد" ويقصد بذلك "استفراغ الوسع في تنزيل الأحكام الشرعية في مواقع الوجود، وتصريفها وفق الجهد التكليفي والقدرة الإنسانية في جميع الحالات التمكينية أو الاستضعافية، وفي كل المواقع الفردية والجماعية"[1]. وذلك على الشكل التالي:
1-مدخل الإمكان الكلي ويشمل:
-الخطاب الفردي أو تأهيل الفرد لثقافة مقاصدية.
-الخطاب الأسري أو التربية على الثقافة المقاصدية.
2-مدخل الإمكان الوسيط ويشمل:
-الخطاب المجتمعي أو إشاعة الثقافة المقاصدية بين الناس.
-الخطاب الدولي أو تدبير استراتجي مقاصدي.
3-مدخل الإمكان الجزئي ويشمل:
-الخطاب الأممي أو وعي حضاري مقاصدي.
-الخطاب العالمي أو تكارم مقاصدي إنساني.
                                              



[1] - د.الحسان شهيد. الخطاب المقاصدي المعاصر: مراجعة وتقويم. ص202.