السبت، 20 سبتمبر، 2014

إضاءات حول كتاب "أشواق الحرية" لصاحبه نواف القديمي.

إضاءات حول كتاب "أشواق الحرية" لصاحبه نواف القديمي.


أسال موقف التيار الإسلامي من الديمقراطية الكثير من المداد: فقد كُتبت حوله العديد من الدراسات والمؤلفات، وعُقدت الكثير من الندوات والمؤتمرات،  وذلك باعتبار التوجسات والشكوك التي يطرحها أطراف مختلفة حول موقف الإسلاميين عموما من الديمقراطية، وذلك رغم إعلان الغالبية العظمى منهم نيتهم العمل تحت المظلة الديمقراطية بل والمشاركة الفعلية للكثير من أعلامهم وتياراتهم في اللعبة الديمقراطية نفسها ودخولهم المشهد السياسي وخوضهم المعترك الانتخابي في أكثر من بلد عربي وإسلامي خصوصا بعد موجات الربيع العربي.
لكن تحفظ قطاع واسع من السلفيين المحسوبين –بالضرورة- على التيار الإسلامي على العملية الديمقراطية برمتها خصوصا في بعض دول الخليج كان الباعث الحثيث الذي أوقد شعلة الكاتب ودفعه دفعا لتدبيج كتابه هذا قصد إبراز وجوه القصور في الطرح السلفي المتحفظ على العملية الديمقراطية ومحاولة إقناع وجوهه البارزة وجماهيره العريضة بأهمية الديمقراطية في تنظيم الدولة العربية الراهنة التي تشكو عوزا مفرطا في التحرر والعدالة.
بداية يقصد صاحبنا بالتيار السلفي الذي يوجه إليه خطابه، بأنه تلك "المدرسة الفكرية التي تمثِّل الامتداد الطبيعي لمدرسة أهل الحديث من حيث المحدد العقدي التفصيلي، ومن حيث التمحور حول النقاء في التعامل مع المختلفين داخل الصف الإسلامي. ثم من حيث الاعتماد على مرجعية السلف في التعاطي مع كل القضايا الفقهية، حتى تلك المستجدة والحادثة.."[1].
والتيار السلفي بهذا المعنى حسب الكاتب يضم جناحين: جناح تقليدي غير منظم حركيا، سواء كان قريبا من السلطة أو بعيدا عنها، وجناح حركي يضم الحركات السلفية المنظمة[2]. ولا يخرج موقف الجناحين من الديمقراطية عن إطارين:
-رفض المشاركة في العملية الديمقراطية، إيمانا بعدم مشروعيتها، وبأنها تتنافى مع أصول الإسلام.
-المشاركة في العملية الديمقراطية تحت لافتة )المصلحة( و)الضرورة( مع الاعتراض على أسس النظام الديمقراطي واعتبارها مناقضة لأصول الإسلام[3].
ومما يلاحظه الكاتب على هذا التيار هو حجم الغياب المرعب لقضايا العدل والحقوق عن خطابه[4]، مع العلم أن هذه القضايا حظيت بحضور كبير ونالت رتبة الأولويات في الخطاب الشرعي الأصلي المبثوث في نصوص الوحيين: القرآن والسنة[5]، في حين انصرف الخطاب السلفي إما إلى مباحث كلية أخرى مثل قضايا العقائد والهوية والأخلاق[6]، أو انصب على قضايا فرعية ومسائل ثانوية منها ما يهم المجتمع السعودي على وجه الخصوص مثل النقاشات وردود الأفعال الذي رافقت صدور رواية "بنات الرياض"[7].
لهذا كله فإن القضية الأساس التي يناضل من أجلها الكتاب هي محاولة إقناع جمهور السلفيين المعارضين للديمقراطية أو المتحفظين عليها بأهميتها في إدارة المجتمعات العربية الراهنة، وأنها يمكن أن تشكل الرافعة الأساس لتجاوز مستنقعات الحكم الفردي ولتخطي قيود الاستبداد التي كبلت الأمة وعطلت طاقاتها منذ الانقلاب الأموي الأول على السلطة الشرعية إلى يوم الناس هذا.
ولعل أهم تحفظات التيار السلفي على العملية الديمقراطية تعود إلى أوهام وإشكالات غير صحيحة، سرعان ما تتبدد متى عُدلت المفاهيم وقوِّمت الاعوجاجات، ومن ذلك في نظر الكاتب ما يلي:
أولا: الخلط المريع بين مفهومي السلطة والمرجعية، ذلك أن المقولة الجاهزة التي يعترض بها رافضو الديمقراطية من الباب الشرعي هي "في الديمقراطية الحكم للشعب، وفي الإسلام الحكم للشريعة"، وإذ يعتبر الكاتب هذه المقارنة مُضللة، فإن منشأ الخلل فيها يعود إلى الخلط بين مفهومين يمكن التمييز بينهما تمام التمييز دون عناء. فإذا كانت السلطة هي "أداة التنفيذ العملي في الدولة" فإن المرجعية هي "مجموع الأفكار والمبادئ والأحكام التي تحتكم إليها السلطة في التشريع"[8]، وعليه فإن المرجعية ستظل دائما هي الشريعة في المجتمع الإسلامي، مع ملاحظة أن "سلطة" تطبيق الشريعة كانت تُسند في التاريخ الإسلامي إلى حاكم فرد متغلب، أما في النظام الديمقراطي فتسند "سلطة" تطبيق الشريعة إلى الأمة، وحتى في حال انحراف الأمة واختيارها عدم تطبيق الشريعة فهذا لا يعني أن الشعب بات هو المرجعية، بل تبقى الشريعة هي المرجعية الدائمة للمسلم[9].
ثانيا: الربط الآلي الذي يقوم به مناهضو الديمقراطية بين هذه الأخيرة وبين العلمانية، يقول الكاتب "أن العنصر الرئيس الذي يتكئ عليه كثير من ناقدي النظام الديمقراطي هو الربط الصارم بين الديمقراطية والعلمانية باعتبارهما متلازمين ولا يمكن الفصل بينهما. ويكون هذا الربط بين المفهومين هو القاعدة الصلبة للتحريم ونفي المشروعية"[10]. لهذا فقد سعى جاهدا إلى تقديم فهم خاص للديمقراطية يقوم على اعتبارها آليات تحسم الخلاف وتنظم المجتمعات لا يجوز الربط الصارم لها بأية فلسفة البتة، الشيء الذي يعني أن كل مجتمع يمكنه أن يمتلك تلك الآليات وفقا لثقافته وفلسفته الخاصة، لهذا فإنه لا يتوانى عن الاستشهاد بالفيلسوف الأمريكي جون رولز الذي "أكد حيادية العملية الديمقراطية وعدم ارتباطها بالمفهوم العلماني"[11].
لكن هذا المسلك طوَّح بالكاتب بعيدا عن المفهوم الشامل للديمقراطية وذلك من خلال تغليب غير محمود لآلية الانتخاب وقصرها عليه في الغالب، إذا مما لا غبار عليه أن روح الديمقراطية تتجاوز العملية الانتخابية التي تعد بمثابة القشرة لها إلى لب الأمر الذي من مقتضياته صون الحقوق الأساسية للإنسان وحفظ حقوق الأقليات. ولعل هواجس المجتمع السعودي المحافظ وشيطنة التيار السلفي –المقصود بالخطاب في هذا الكتاب- للعملية الديمقراطية رزحت بثقلها على المؤلِف ودفعته كرها إلى هذا الطرح.
لكن النتائج التي آل إليها هذا الفهم الضيق للنظام الديمقراطي أظهرت عور هذا الطرح وخطله، ويمكننا أن نمثل لذلك في تلكؤ الكاتب الواضح في الإقرار بجملة من الحقوق الطبيعية التي يكفلها النظام الديمقراطي للشعوب عامة وللمعارضة على وجه الخصوص، ومن ذلك:
-حظر تأسيس أحزاب على أساس علماني، بحيث يمكن للأمة عبر دستورها أن تقر ذلك، وفي هذه الحالة لا يمكن أن يصادر أحد قرار الأمة حتى ولو كان ذلك بطلب من الأغلبية البرلمانية[12]. وهذا رديف الدعوة العلمانية إلى مصادرة حق الإسلاميين في المشاركة السياسية بدعوى منع قيام وتأسيس أحزاب على أساس ديني، وهو أمر ينم عن جهل أصيل بقواعد اللعبة الديمقراطية التي تقوم على صون الحقوق الإنسانية وعلى رأسها الحق في التجمع الحزبي والمشاركة في المشهد السياسي.
-مصادرة الحق في التعبير متى خالف الشريعة الإسلامية ومن مظاهر هذه المخالفة المطالبة بتنحية الشريعة عن الحكم التي يمكن مصادرتها عن طريق سنِّ الأنظمة والقوانين التي تمنع ذلك بدعوى أنه لا توجد حرية مطلقة حتى في أعتى الأنظمة الديمقراطية وأقدمها وجودا[13]. ولا يخفى عليك أيضا أن هذا مخالف للقواعد الديمقراطية المتعارف عليها مادام أن الأمر يتعلق بانتهاك حقوق المعارضة أو مصادرة الحريات العامة.
لكننا نجده في الوقت نفسه –وبدافع إقناع السلفيين بجدوى العملية الديمقراطية- يُزين لمخاطبيه النظام الديمقراطي عن طريق إبراز الهوامش العظيمة التي يتيحها هذا النظام للمعارضة الإسلامية في حال فشلها في الوصول إلى الحكم والتي يمكنها  "تأسيس أحزاب وجمعيات ومدارس ووسائل إعلام.. من أجل دعوة الناس إلى تطبيق الشريعة، وتغيير الدستور .. كي يكون ملتزما بالشريعة"[14] هكذا بجرة قلم، بينما المخالف لا يمكنه أن يتمتع بهذه المزايا والحقوق مادام يُشكل الأقلية، بحيث يمكننا أن نلمس الطرح البرجماتي الواضح في هذا الفهم الخاص للنظام الديمقراطي.
لكن مع هذا كله فإن الكاتب قد حاول الاجتهاد قدر الإمكان في بلورة جملة من الفهوم الجديدة للعديد من المصطلحات التي كرسها الفقه الإسلامي السلطاني بغية الحد من حرية الأمة في بناء نظام سياسي يقوم على حقها الأصيل في اختيار حكامها وتقويم أعمالهم وعزلهم، ومن بين هذه المصطلحات أخص بالذكر اثنين هما:
-مفهوم الغلبة الذي ارتبط في الكتابات والآداب السلطانية بضرورة طاعة المتغلب بالقوة وحِرمة الخروج عليه درء للفتنة وحقنا للدماء، هذا المصطلح ينبغي –حسب الكاتب- انتزاعه من هذا المعني السلبي وربطه بالأحرى باختيار الناس وتصويت المواطنين[15]، وهي فكرة استمدها من كتابات الشيخ محمد الحسن بن الددو.
-مفهوم "ولي الأمر" الذي ارتبط في الفكر الإسلامي بالحاكم الفرد القوي والعادل، لكن هذا المدلول التقليدي ينبغي تجاوزه أيضا عن طريق ربط المصطلح وإحالة معناه على مؤسسات الدولة وسلطاتها الشرعية المتعددة، يقول صاحبنا "صلاحيات وسلطات )ولي الأمر( صارت اليوم في النظام السياسي الحديث موزعة على سلطات ثلاث: تنفيذية وتشريعية وقضائية، لا تهيمن فيها سلطة على أخرى.."[16].
إن هتين الفكرتين كفيلتين بأن تفتحا الباب واسعا أمام إعادة النظر في المفاهيم والمصطلحات التي نحتها الفقه السلطاني، وكذا مساءلة مدلولاتها وتفكيك معانيها في أفق تجاوزها وإعادة صياغة الفقه السياسي الإسلامي أو ما يعرف بالسياسة الشرعية برمته على ضوء المستجدات السياسية والعلمية التي شهدها الفقه الدستوري المعاصر.   
الثلاثاء 16 شتنبر 2014.





[1] -نواف القديمي، أشواق الحرية: مقاربة للموقف السلفي من الديمقراطية. تقديم: أحمد الريسوني ومحمد الحسن بن الددو. الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة السادسة 2013. ص25.
[2] -المرجع نفسه ص26. نلمس هذا الطرح مثلا في سعي الأستاذ حماد القباج في التأصيل للمشاركة في العملية السياسية والتصويت في الانتخابات ودخول البرلمانات وفقا لقواعد الترجيح بين المصالح والمفاسد في كتابه "الاستبصار والتؤدة في عرض المستجدات والنوازل على قواعد المصلحة والمفسدة".
[3] -المرجع نفسه ص26.
[4] -المرجع نفسه ص110.
[5] -المرجع نفسه ص110.
[6] -المرجع نفسه ص111.
[7] -المرجع نفسه ص110.
[8] - المرجع نفسه ص53.
[9] - المرجع نفسه ص52 و53.
[10] - المرجع نفسه ص115.
[11] - المرجع نفسه ص30.
[12] - المرجع نفسه ص50 وانظر أيضا ص87.
[13] - المرجع نفسه ص87.
[14] - المرجع نفسه 58-59.
[15] - المرجع نفسه ص74.
[16] - المرجع نفسه ص104.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق