الجمعة، 16 مايو، 2014

Big brother is watching you

أو قراءة جديدة لرواية جورج أورويل "1984".

تعتبر رواية الكاتب الإنجليزي الكبير جورج أورويل "1984" من الروائع العالمية الخالدة التي تستحق القراءة المرة تلو المرة، وذلك لما تختزنه من الأبعاد الإنسانية وتطفح به من الإشارات والتوقعات لمستقبلها، فهي رواية نبوئية بامتياز، تستشرف المستقبل بلغة يقظة مُحذرة، ونظرة ثاقبة فاحصة. فعلى الرغم من أن الرجل قد ألف روايته سنة 1949م على إثر المد المُستعر الذي عرفته الأنظمة الشمولية آنذاك عقب الحرب العالمية الثانية التي خرج منها الإتحاد السوفيتي منتشيا بالنصر وليشكل أنموذجا مغريا للحزب الواحد والديمقراطية المركزية الصارمة، قلت رغم قلق الظروف التاريخية وهاجس الساقيات السياسية والثقافية المرعبة لتلك المرحلة، فإن نظرة الرجل في روايته لم تخب، بل تحقق الكثير من نبوءاته وإن بصيغ مختلفة وطرق متنوعة.
      إن الصورة التي رسمها الكاتب لمجتمع مغلق يحكمه بالحديد والنار نظام شمولي ديكتاتوري، ويعبث بمقدراته الحزب الواحد المنزه عن الخطأ، يحصي على الناس أنفاسهم ويُشيع بينهم ثقافة التجسس وشهوة التلصص، بحيث تصبح عبارة "Big brother is watching you" مُلخِّصة بشدة ودقة متناهيتين للمشهد برمته ورمزا للاحتكار الشديد للسلطة المبنية على القهر والتسلط والمراقبة. هذه الصورة القاتمة قد تبدو اليوم متجاوزة بعد الانهيارات المتتالية للأنظمة الشمولية وبفعل التأثيرات الهائلة التي أحدثتها في الثقافة السياسية الموجات المتتالية للديمقراطية، لكنني اعتقد أن الأمر على خلاف ذلك، فلا زالت تلك الصورة بظلالها القاتمة وأبعادها الموبوءة تجثم على صدور الناس وتخنق أنفاسهم. فالإنسانية اليوم أصبحت عارية مكشوفة أمام أجهزة الرصد العملاقة السابحة في الفضاء أو السيارة عبر وسائل الاتصال المتطورة المقتحمة لكل بيت، المبثوثة في كل زاوية أو ركن، تجسُّ نبضات الناس وتتسلل إلى حياتهم علانية وخُفية، بالضبط مثلما هو الحال في "أوقيانيا" في رواية "1984"، حيث يُخيِّم الرعب على المواطنين الذين لا يستطيعون الانفكاك قد أنملة عن أجهزة الرصد المزروعة في بيوتهم، والمَخفِيَّة في أفنيتهم وشوارعهم، والمدسوسة في مدنهم وأريافهم.
      إن انتهاك حرية الإنسان والمسَّ بسلامة خصوصياته الشخصية بهذه الصورة غير المسبوقة يقدح في جمال الصورة التي يُسوِّقها الإنسان المعاصر للمستوى الرفيع الذي آل إليه وضع حقوق الإنسان ويطعن في كمال المواثيق والبرتوكولات المزيفة التي يتغنون بها اليوم. فمما لا شك فيه أننا أمام ارتدادات مفضوحة إلى عصور التسلط وانتكاسات شديدة للتطلعات "الأنوارية" التي انبثقت في الفكر الإنساني، وكل ذلك يتم بذرائع باطلة وتحت شعارات خرقاء من قبيل الحفاظ على الأمن القومي أو محاربة الإرهاب أو ارتياد الآفاق العلمية المفتوحة دون حدود[1].    
      لكنني استدرك وأقول، تجنبا لكل سوء فهم ممكن، بأن ضرورة المحافظة على الخصوصية الإنسانية والدفاع عن قيم الحرية والخير والعدل لا يعني بحال رفض الإمكانات الهائلة التي يتيحها التطور العلمي أو الوقوف ضد الاستغلال المتزن لهذه الإبداعات في مجال التواصل والإعلام، ولكنني أقصد بالدرجة الأولى الدعوة إلى تخليق التوظيف المتوحش والتوجيه الباطش لهذه الوسائل اللذين يدمران القيم والأعراف والخصوصيات، بل إن "الدول المارقة" أصبحت تستغل هذه التطورات السريعة والثورات المتكررة لوسائل الاتصال الحديث للعبث بمستقبل الإنسانية.  
      ثم إن انفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم بعد انهيار المعسكر الشرقي قد أضر بصيغ التعددية والتوازن اللذين ينبغي أن يكون عليهما العالم، وخَلق لديها نزوعا متعاظما نحو التسلط والقهر، سواء من خلال الحروب الاستباقية التي أصبحت تخوضها بدعوى مواجهة الإرهاب أو بواسطة الهيمنة على المؤسسات العالمية: السياسية والمالية أو عبر الاحتكار المفرط للثروات الاقتصادية أو عن طريق نشر  وتكريس قيم ثقافية بعينها، وهذا الأمر شبيه إلى حد ما بالعمل المشبوه للحزب الواحد في الأنظمة الشمولية والذي تدينه روايتنا بشدة. 
      لعل نبوءات صاحبنا على هذا المستوى قد تكون أقل صدقا إذا ما عملنا على قراءة تلك التكهنات في ظل الوضع العربي المتردي اليوم على كل الصُعد، إن الصورة القاتمة المأسوية التي قدمها الرجل عن المجتمع الأوقياني لا تقل سوءً عما يعانيه المواطن العربي اليوم تحت أنظمة البطش والنَّيْر خصوصا بعد النكسات التي مُني بها "الربيع العربي" وتصاعد موجات الثورات المضادة التي أخذت تحصد الأخضر واليابس بعد الانكفاء التكتيكي الذي اعتمدته أنظمة البؤس وأذرعها الأخطبوطية الممتدة بشكل سرطاني في جسم الدولة والمجتمع إبان المد الثوري الحقيقي، ومن أبرز تلك التوقعات المريعة التي ألمعَت إليها الرواية والتي قد تصدق بصفة شبه تامة على الوضع العربي أُشير إلى ما يلي:
أولا: استيلاء مجموعة من العصابات الأوليغارشية وبطرق مختلفة على مقاليد الحكم والاقتصاد في الوطن العربي، حتى غدا من بين الأحكام النمطية المنتشرة في الأدبيات السياسية العالمية كون العالم العربي أصبح عصيَّا على اختراق الحكم الرشيد لمنظومته السياسية، فرغم الموجات الديمقراطية المتعددة التي اقتحمت أسوار أعتى الأنظمة الشمولية في أسيا وأمريكا اللاتينية، ورغم المد الثوري الذي شهده "الربيع العربي" فإن انكفاء غادرا أطفأ كل شموع الأمل التي أحياها هذا المد.
       وأغلب هذه الأنظمة الاستبدادية يقوم على إضفاء القداسة على تدبيرها البشري لشؤون الناس، وتسعى إلى تكريس هيمنة الفرد الواحد القائد الفعلي والتاريخي للدولة والمجتمع، الذي لا يُسأل عما يفعل بينما المواطنون البسطاء يُسألون. وهذا الوضع أشبه ما يكون بما خطَّته أنامل جورج أورويل في رائعته عن استبداد الحزب الحاكم والصورة الخرافية التي يقدم بها "الأخ الكبير"، فقد ورد في أحد الكتب التي حرص بطل الرواية ونستون سميث على قراءتها لكونه محظور في أوقيانيا وصفٌ للتركيبة العامة التي يقوم عليها المجتمع الأوقياني، بحيث : "..على قمة الهرم يأتي الأخ الكبير وهو معصوم من الخطأ ويتمتع بقدرة مطلقة، وكل نجاح وكل إنجاز وكل انتصار وكل اكتشاف علمي ينسب إليه كما أن كل معرفة وكل حكمة وكل سعادة وفضيلة إنما يعزى الفضل فيها مباشرة إلى قيادته الرشيدة الملهمة"[2]. فالنص لا يحتاج إلى مزيد تعليق في وصفه للبؤس الذي يشهده الواقع السياسي العربي الحالي.    
ثانيا: سعي الأنظمة الشمولية الدائم في سبيل تأبيد احتكارها للسلطة إلى تزوير الحقيقة والتاريخ، فالكاتب يتحدث في عمله الذي بين أيدينا عن وجود هيئة ضخمة تسهر على إعادة كتابة الأحداث التاريخية باستمرار بما يتناسب والحقائق الموجودة على الأرض وبما يكفل للحزب الحاكم استمرار وضع يده على مقاليد الحكم، هذه الهيئة تسمى بوزارة "الحقيقة" في إشارة تهكمية واضحة من صاحبنا إلى قلب المفاهيم والحقائق الذي تمارس من خلاله هذه الأنظمة الديكتاتورية طمس الحق في أعين المواطنين عبر إشاعة الكذب وإعادة تشكيل الوعي لدى الجمهور وتزييفه، ومن أهم الأساليب المبتكرة في الرواية لبث النفاق السياسي وتعليمه للناس ما سماه صاحبنا "بالوعي المزدوج"، وهو "أن تعرف وأن لا تعرف، أن تعي الحقيقة كاملة ومع ذلك لا تفتأ تقص الأكاذيب محكمة البناء، أن تؤمن برأيين في آن وأنت تعرف أنهما لا يجتمعان ومع ذلك تصدق بهما"[3].
      النظام السياسي العربي المهترئ لا يبتعد كثيرا عن هذه الصورة الحالكة، فهو يعلم يقينا القدرة الكبيرة التي أصبح يتمتع بها الإعلام في ثلم أساسات الاستبداد وتقويض بنيانه، لهذا فهو يعمل بكل جهد متاح لديه للتحكم في وسائل الإعلام وتوجيهها، وفي المقابل محاصرة كل القنوات المستقلة والحرة ووأد عملها في المهد، لهذا لم يكن غريبا أن تصبح الدول العربية برمتها في ذيل التصنيف العالمي في مجال حرية الرأي والتعبير.
      ولعل المتتبع لأغلب وسائل الإعلام العربية يكشف بيسر مدى الزيف الذي تمارسه هذه الوسائل وكذا التشويه والتزوير الذي تتعمده للحقائق على نطاق واسع، ناهيك عن التحريض الطائفي والمذهبي الذي انخرطت فيه بتوجيه مباشر من النظام السياسي.
ثالثا: بالإضافة إلى "وزارة الحقيقة" يمتلك النظام الحاكم في رواية أورويل جهازا بيروقراطيا آخر لتطويع المخالفين هو "وزارة الحب" التي تتولى مهمة التعذيب النفسي والجسدي للمخالفين وإعادة تأهيلهم للاندماج مجددا في المجتمع في أفق تصفيتهم، ففي الغرفة 101 تلقَّى ونستون سميث صنوفا من التعذيب والقهر النفسي ما جعله يخون صديقته جوليا بسهولة رغم كل العهود والمواثيق التي قطعها على نفسه، وكل الإباء والشموخ الروحيين اللذين أبداهما قبل أن ينهار في نهاية المطاف ليصيح بكل ما أوتي من قوة "افعلوا بذلك بجوليا افعلوا ذلك بجوليا"[4].
      لا يخفى على القارئ اللبيب ما يعانيه المواطن العربي من ضنك العيش وقهر الغلبة التي سلبت كرامته ومواطنته وحقوقه دونما قدرة على إبداء اعتراض حقيقي على السياسات التسلطية للأنظمة الديكتاتورية، ورغم أن الحراك السياسي الذي شهدته الدول العربية إبان الربيع العربي الذي كسر حاجز الخوف لدى العديد من الفئات الشعبية، فإن غالبية هذه الشعوب قد نكصت من جديد إلى استعذاب واقع القهر. أما التعذيب الجسدي والتغييب القسري الذي تسومه هذه الأنظمة لمواطنيها في ردهات السجون والمعتقلات فحدث ولا حرج.
رابعا: التطبيع مع الموت ظاهرة فريدة في الرواية التي بين أيدينا، فواقع التفجيرات وسقوط الصواريخ شبه اليومي، والذي يروح ضحيته العديد من الأبرياء، أضحى صورة مألوفة في لندن:المدينة الصاخبة التي تعج بكل أنواع الفجور والفساد، ويُخامر ونستون سميث الكثير من الشكوك حول مصدر هذه التفجيرات، ويكاد يجزم أن الحزب هو الذي يقف خلفها، بغرض تشديد قبضته الحديدية على الحكم عبر صنع أعداء وهميين وتسويقهم في الإعلام العمومي قصد تجييش مشاعر الناس وتوحيدها ضد هذا العدو الوهمي الذي لا يعرفون عنه سوى طابور الإعدامات الميدانية في الساحات العامة التي تتم بين الفينة والأخرى. ولا يألو الحزب جهدا لإذكاء هذه المشاعر في إشاعة ثقافة الكراهية من خلال تنظيم ما يمكن نعته ب"مواسم الكراهية"، فقد خصص الحزب لهذا الغرض دقائق للكراهية معلومة كل أسبوع، وأيضا خصص للأمر أسبوعا سنويا، يصب فيهما المواطنون "الشرفاء" جمَّ غضبهم على أعداء الدولة الوهميين.
      الواقع العربي اليوم هو أيضا أضحى أكثر تطبيعا مع الموت من أي وقت مضى، فالحروب القذرة ولعنة التفجيرات اليومية خلقت لدينا إلفا غير معهود مع الموت، بحيث لم نعد نكترث لآلة القتل التي تحصد الأرواح أو نأبه لصور الأشلاء الممزَّعة في الشوارع والجثث الملقية على الأرصفة.
      هذه الصورة السوداوية التي نحت فصولها جورج أورويل في روايته هي من قبيل أدب المدينة الفاسدة "ديستوبيا"، حيث يتخيَّل الكاتب مجتمعا فاسدا تنهار فيه الأخلاق والقيم، ويسود فيه البؤس والقهر والتسلط، وغالبا ما يكون هذا النوع من الأدب رمزيا وتحذيريا لما يمكن أن تتعرض له البشرية من الويلات والمعاناة، لهذا لا تَخفى في هذه الأعمال الدوافع السياسية والاجتماعية، والشيء الذي أثار انتباهي في الرواية هو الإشارات المتكررة للكاتب إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه العامة في مقاومة الوضع الفاسد وتغييره، فنجده يكرر في مواضع متعددة وبعبارات متقاربة "إن كان هناك من أمل، فالأمل يكمن في عامة الشعب"[5]، وذلك بعد أن خاب أمله في قدرة النخبة على التغيير، سواء من داخل الحزب "بحيث لا يمكن إسقاط الحزب من داخله"[6]، أو من خارجه بحيث يستحيل على المعارضة فعل ذلك في ظل واقع القهر تحت حكم الأنظمة الشمولية، وذلك رغم الكثير من البهرجة الإعلامية التي يروج لها الحزب بخصوص المؤامرات والدسائس، كما أن "أمر الانتفاضة يعرف من نظرة العيون أو نبرة الصوت"[7].
       لذلك لم يبق من أمل سوى عامة الشعب، فرغم سهولة ويسر سيطرة الحزب على العامة من خلال الدجل والإشاعة فإنه "لو أمكن لعامة الشعب أن يدركوا مدى قوتهم لما كانت هناك حاجة للتآمر، فكل ما يحتاجه الأمر أن ينتفضوا مثلما ينتفض الحصان لإزالة الذباب بعيدا عنه. ولو شاءوا لمزقوا وأحالوا الحزب هشيما تذروه الرياح... ولا بد أن يخطر لهم ذلك عاجلا أو آجلا"[8].
      ولا يسعني في الأخير إلا أن أكرر ما قاله ونستون سميث: " إن كان هناك من أمل، فالأمل يكمن في عامة الشعب".          


[1] -انظر إلى كم الفضائح التي أصابت دبلوماسية الولايات المتحدة الأمريكية في مقتل بعض التسريبات المتتالية لتعمد إدارة هذه الدولة إلى مراقبة والتصنت على كل شيء بدون حسيب أو رقيب.
[2] -جورج أورويل، 1984. ترجمة: أنور الشامي، نشر المركز الثقافي العربي. طبعة سنة 2006. ص245.
[3] - نفس المرجع ص43.
[4] -نفس المرجع ص337.
[5] -المرجع نفسه ص83. وفي ص258 يقول: "إن المستقبل ملك العامة".
[6] -نفس المرجع ص83.
[7] -نفس المرجع والصفحة.
[8] -نفس المرجع والصفحة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق