الثلاثاء، 16 يونيو 2015

سعيد بنسعيد العلوي،
 أوروبا في مرآة الرحلة: صورة الآخر في أدب الرحلة المغربية المعاصرة.
الخطوط العامة للكتاب.
     جهد المؤلف في هذا الكتاب ووفق إلى حد كبير في تصنيف وتفكيك الرحالات السفارية المغربية إبان القرنين الثامن والتاسع عشر من خلال بحث قضية أساس في هذه الرحالات وهي الطريقة التي تبدى بها الآخر في مرآة الذات، وأهمها رصد لحظات تطور الوعي بالذات وتلقي صدمة التعري الحضاري أمام تقدم الآخر المفضي إلى انبثاق سؤال الوقت آنذاك: لماذا تقدموا ولماذا تخلفنا؟.
     لقد صنف المؤلف هذه الرحالات إلى ضروب متعددة، أبرز هذه التصنيفات اللحظات الثلاث التي شكلت وعي الذات إزاء تمثلها للآخر وهي:
1-لحظة القوة والثقة بالنفس والتي تجسدت في رحالات محمد بن عثمان المكناسي في رحلتيه المشهورتين لافتكاك أسرى المسلمين من يد "النصارى" التي حل من أجلها في كل من إسبانيا ثم بعدها في نابولي ومالطا وغرض المؤلف في هذا الفصل هو: "استخلاص معالم لحظة القوة والثقة في النفس على نحو ما تكشف لنا عنه قراءة ما دوَّنه السفير المكناسي في رحلتيه، وبالتالي، نريد تبين صورة "الآخر" على نحو ما ترتسم به في الوعي العربي الإسلامي في المغرب في نهاية القرن الثامن عشر"[1].
     وأهم ما طبع رحالات المكناسي هي "شعور باطن بالقوة والاستعلاء في مقابل شعور باطن محايث بدونية الآخر ونزول مقداره"[2]، ويظهر ذلك جليا في حضور الهاجس الديني الذي يغدو "أكثر قوة وهيمنة على الرحلة وعلى الحديث عنها"[3] متى تعلق الأمر بالمقابلة بين دار الكفر التي يتنقَّل بها ودار الإسلام التي يحن إليها وعليه فلا غرابة ألا يحتفل الرجل بمظاهر الحياة اليومية في أوروبا لا "بالألبسة ولا بنظم العيش"[4].
     ومن أهم أسباب تفسير هذه الصورة التي استقر عليها المكناسي في وصفه لأوروبا التي عاينها في النصف الثاني من القرن الثامن عشر هي غياب الصدمة الحقيقة التي ستخلخل مشاعر ثقة الذات بنفسها وتقلقها بضرورة اللحوق بالركب.
2-لحظة الهزيمة والاكتشاف والتي فككها من خلال قراءة رحالات كل من العمراوي والصفار والطاهر الفاسي والتي تعبر بوضوح عن لحظة "إحداث الخلخلة العظمى في الصورة التي كان ابن عثمان المكناسي قد رسمها للذات والآخر"[5]، ولحظة الاستفاقة هذه أعقبت سلسلة من الصَدَمات التي تلقاها الوعي المغربي بحقيقة تخلفه عقب الهزائم النكراء خصوصا في إيسلي وتطوان.
     لهذا لا يدهشك أن تكون ميزة هذه الرحالات هي "إرادة المعرفة" في مقابل "غياب حديث إطراء الذات"[6] التي هيمنت على مكتوبات المكناسي. وعليه فإن اهتمام الرحالة المغربي انصبَّ بالدرجة الأولى على العناية بالحديث عن "الاختراعات والصنائع"، وفي المقابل أشاح بوجهه عن رؤية مظاهر الحضارة الأوروبية الأخرى مثل المسرح والمنتزهات وحديقة الحيوان.
     وأشد ما يبدو فيه إعجاب الرحالة المغربي هو مشاهدته ل"فرجة الجيش"، هنا حيث تتكثف لحظة الوعي بالذات في حال التأخر والآخر في واقع التقدم.
3-لحظة الدهشة واستعادة الوعي ويمثل هذه اللحظة محمد بن الحسن الحجوي في نصه "الرحلة الأوروبية" خير تمثيل، بحيث أن ما أبداه الرجل في هذه الرحلة من وعي بالذات وفهم للآخر تماهى بشكل كبير مع مشروعه التجديدي العام، كما أن هذا النص يكشف إلى أبعد الحدود عن تداخل أبعاد ثلاث في شخصية الرجل وهي: "التاجر والموظف المخزني والفقيه المجتهد"[7]، لهذا فإن خلاصة القراءة التركيبية التي قام بها الكاتب لهذا النص الرحلي يتمحور حول ثلاث قضايا أساسية وهي:
-أوروبا بلاد النظام.
-أوروبا وطن العلم.
-أوروبا دار التجارة.




[1] -سعيد بنسعيد العلوي، أوروبا في مرآة الرحلة: صورة الآخر في أدب الرحلة المغربية المعاصرة. رؤية للنشر والتوزيع 2012. ص43.
[2] -نفسه ص61.
[3] -نفسه ص53.
[4] -نفسه ص70.
[5] -نفسه ص75.
[6] -نفسه ص82.
[7] -نفسه ص115.

الاثنين، 13 أبريل 2015

.محمود إسماعيل المهمشون في التاريخ الإسلامي

.محمود إسماعيل المهمشون في التاريخ الإسلامي
      يستعرض المؤلف في كتابه هذا عددا من الفرق والثورات والتشكيلات الاجتماعية في التاريخ الإسلامي والتي اعتبرها بمثابة جملة من الأحداث والقلاقل الاجتماعية والثورات التي يربط بينها أن "العامة" هي التي قادتها، فمن الفرق نجد الإسماعيلية متمثلة في القرامطة، ومن الثورات يذكر ثورة "الزنج"، ومن التشكيلات الاجتماعية يشير إلى بعض التنظيمات المهنية كالعيارين والحدادين وغيرهم من الفلاحين والحرفيين، ومن الأحداث التاريخية ثورة "عمرو بن حفصون" في الأندلس و"حميم المفتري" في المغرب.
       والمؤلف يعتبر التأريخ لهذه الشرائح الاجتماعية من الموضوعات "المسكوت عنها" و"اللامفكر فيها" في التاريخ الإسلامي حسب تعبير أركون، ورغم أن الحوليات لم تحفل بأخبار العوام وانشغلت بتواريخ الحكام سياسيا وعسكريا فقط، فإن صاحبنا وجد مادة مصدرية مهمة للموضوع في كتب الخراج والفقه والنوازل والطبقات والديارات...[1].
      والكتاب أقرب إلى مجموعة من الملاحظات والارتسمات العامة حول الموضوع منه إلى بحث علمي رصين، ولعل ما يشفع للكاتب أنه قد أشار في مقدمة كتابه إلى كونه عبارة عن مجموعة من المقالات المبسطة لجملة من الأبحاث المعمقة التي قُدر له ولمجموعة من تلامذته النبهاء وأصدقائه العلماء والمتخصصين القيام بها بخصوص "إعادة كتابة التاريخ الإسلامي"[2]، ومن بين أهم هؤلاء التلاميذ المنوه بهم في الكتاب نجد كل من عبد القادر بودشيش وأحمد طاهر وجهيدة بوجمعة، ومن بين الأصدقاء المشار إلى أبحاثهم يُشيد بكل من مولود عشاق ورجب النجار وشاكر مصطفى وعبد الحميد يونس وغيرهم، فالكتاب إذن عبارة عن دليل تبسيطي للاستئناس فقط ولمن أراد التعمق في الموضوع الرجوع إلى المظان الأصلية[3]. فالقصد من الكتاب على ما يبدو هو تقديم تصور أولي أو"بانوراما" عامة عن العامة المهمشة في التاريخ الإسلامي"[4].
      وقد عوَّل صاحبنا على المنهج المادي الجدلي التاريخي في تحليل وتفكيك هذه الثورات والأحداث مع الاسترشاد بالعديد من المناهج التحليلية الأخرى المتبعة في حقول البحث الاجتماعي والاقتصادي[5] الشيء الذي جعله ينظر إلى هذه الأحداث من زاوية الصراع الطبقي بالدرجة الأولى، ويخلص إلى أن السبب الرئيس لهذه الثورات هو سبب اقتصادي اجتماعي بالدرجة الأولى ومقصيا الأسباب الأخرى كالصراع الديني إلى الهامش. معتقدا بوجود "طبقة واسعة وعريضة من العوام والمستضعفين والأرقاء في مواجهة "طبقة أرستقراطية" عاتية، وأخرى "وسطى" هزيلة ارتبطت بالطبقة العليا وتخلت عن دورها التاريخي في قيادة الطبقة الدنيا"[6]. وهذا يفسر لنا المعجم الذي يمتح منه الرجل والمفاهيم الموظفة لدراسة الموضوع من قبيل: الارستقراطية والبورجوازية والبروليتاريا والنمط الإنتاجي الأسيوي وغيرها.

      لن أتوقف عند المنهج الذي ارتضاه صاحبنا رغم ارتباطه بتوجه معين ووجود الشواهد العلمية المتضافرة على تقادمه، لكنني في المقابل سأشير إلى بعض الثغرات المنهجية الأخرى التي اعتورت العمل وأضعفته، ذلك أنه من العيوب المنهجية البارزة التي طغت على الكتاب الغياب التام لأي إحالات مرجعية، فرغم أنه يوظف العديد من الأفكار والنصوص بل حتى النقول المباشرة فإنه لا يشير البتة إلى المصدر أو المرجع الذي اعتمده، كما أنه تعمد التدليس بإخفاء الصفات الحقيقية للكثير من الذين ناقش أفكارهم، فقد أكثر من ذكر العبارات المبهمة من قبيل: "الكثير من المؤرخين" و"بعض الدارسين" و"أحد الرحالة" و"باحث معاصر" وغيرها كثير.كما أنه كثيرا ما يكيل الاتهامات الباردة والادعاءات العريضة بدون بيّنة، ومن ذلك اعتقاده الجازم بالدور السلبي الذي لعبته الطرق الصوفية والطبقة الوسطى في الإخفاقات التي حلّت بثورات العامة على مدار التاريخ الإسلامي، الشيء الذي جعل عمله يفتقر إلى أبسط الشروط العلمية التي تَسِم الكتابات الرصينة.
      وأهم الأسباب التي انتهى إليها في تفسيره لإخفاق ثورات العامة هي:
-الافتقار إلى الوعي الطبقي وتهميشه عند خوض الصراعات وقيادة التحركات الجماهيرية.
-غياب إيديولوجيا أو دعوة مذهبية واضحة ومحددة أفضى إلى جنوح بعض القوى الثورية إلى أنواع متعددة من الهرطقة والسحر والشعوذة خصوصا في الأقاليم النائية.
-كون أغلب هذه الانتفاضات كانت عفوية غير منظمة.
- إفراط بعض هذه الحركات في العنف والسلب والنهب، بما ينم عن "مراهقة" القوى الثورية، وافتقارها إلى الحكمة والدربة السياسية.
-تواطؤ الطبقة الوسطى مع الطبقة الارستقراطية وخيانتها للدور التاريخي المنوط بها في نشر الوعي وقيادة العامة للقضاء على الإقطاعية العسكرية.
     



[1] - د.محمود إسماعيل المهمشون في التاريخ الإسلامي. ص13-14.
[2] - المرجع نفسه. ص8.
[3] -الإشارة هنا إلى كتابه "سوسيولوجيا الفكر الإسلامي"
[4] - د.محمود إسماعيل المهمشون في التاريخ الإسلامي. ص16.
[5] -المرجع نفسه ص15.
[6] -المرجع نفسه ص198.

الاثنين، 30 مارس 2015

عبد الوهاب المسيري العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة. تأملات في المنهج والمقصد

عبد الوهاب المسيري
العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة.
تأملات في المنهج والمقصد
      يعتبر الكتاب حلقة ضمن مشروع أوسع رام من خلاله المفكر العربي البارز عبد الوهاب المسيري تناول موضوع العلمانية بالدرس والتحليل من جوانبها المختلفة التاريخية والمعرفية والإنسانية، والحلقات الثلاث المقصودة هي:
-الحلولية ووحدة الوجود باعتبارها مقدمات العلمانية.
-العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، وهو الكتاب الذي بين أيدينا وهو أهم حلقة دراسية في المشروع، حسب الكاتب نفسه.
-ما بعد الحداثة باعتبارها ثمرة العلمانية الشاملة.
      والكتاب عبارة عن مرافعة فكرية وعلمية ثاقبة، استطاع من خلالها الرجل أن ينافح عن أطروحته ويثبت صدقيتها بكل جدارة واستحقاق، والأطروحة تتمثل في تأكيد وجود علمانيتين اثنتين متكاملتين غير منفصلتين وهما: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، وهو يرى أن الخلط بينهما وعدم تبيُّن الفروق الفاصلة أحد الأسباب الرئيسة للمعارك الوهمية التي خاضها ويخوضها "الفكرانيون" تحت يافطات المحافظة أو التحديث كليهما.
      يقول: "يوجد في تصورنا علمانيتين لا علمانية واحدة، الأولى جزئية ونعني بها العلمانية باعتبارها فصل الدين عن الدولة، والثانية شاملة ولا تعني فصل الدين الدولة وحسب وإنما عن الطبيعة وعن حياة الإنسان في جانبيها العام والخاص، بحيث تنزع القداسة عن العالم ويتحول إلى مادة استعمالية يمكن توظيفها لصالح الأقوى"[1].
      وإذا كان تطور العلمانية في الغرب قد انطلق من الأولى التي تتميز بسمات إجرائية وذات رؤية جزئية للواقع، فإنه آل في نهاية المطاف إلى الأخيرة التي تعبر عن رؤية شاملة للعالم ذات بعد معرفي كلي، لكن هذا التطور ليس عبارة عن طفرة بقدر ما هو تراكم أخذ شكل متتالية: بدأت جزئية مقصورة على المجالين السياسي والاقتصادي مع وجود بقايا لمطلقات مسيحية ومعيارية إنسانية ومع ضعف وعجز قطاعي اللذة والإعلام عن اقتحام كل مجالات الحياة، وانتهت في المراحل الأخيرة إلى تغول الدولة ووسائل الإعلام مع تهميش للإنسان وسيادة النسبية الأخلاقية وهي سمات العلمانية الشاملة[2].
      وقد وظف صاحبنا أدوات منهاجية متعددة تنم عن جهد كبير واطلاع واسع ومعرفة خابرة بالمسألة موضوع النقاش، وأُجمل شواهد هذا المنهج في السمات التالية:
-الاستقصاء والتتبع: فالكتاب يكشف عن التبحر الواسع للرجل في علوم متعددة واطلاع على كتابات شتى تجعل وسم عمله بالموسوعة مكافأة يسيرة.
-القراءة والعرض:يظهر مقدرة الرجل عظيما على استعراض الآراء المختلفة للفلاسفة والمفكرين الغربيين والعرب على حد سواء من خلال مكتوباتهم المتعددة.
-التفكيك والنقد: لا يكتفي باستعراض الأقوال والمذاهب المختلفة، بل يُعمل فيها معول التشريح والتحليل، كاشفا عن أغوارها ومفسرا لعويصها ومقربا لبعيدها.
-الاستنتاج والتركيب: بحيث يسعى إلى تركيب خلاصات المقاربات المتعددة لبناء نموذج تحليلي مرجعي لقضية العلمانية يتأسس على متتالية آخذة في التحقق وليس مجرد فكرة سكونية ثابتة.
      وقد جهد د.المسيري أيضا في استحداث جهازي  مفهومي خاص به ساعده كثيرا في مسك تلابيب الموضوع والتحكم في تمفصلاته الشديدة التعقيد، كما أظهر براعة نادرة في نحت المفاهيم واستحداثها، ومن بين أهم تلك المفاهيم: "العلمنة البنيوية الكامنة" و"الإنسان الوظيفي" و"الحوسلة" وغيرها.
      وبالرغم من كل هذه العُدة المعرفية والمنهجية المتميزة فإن الكاتب قد سقط في فخ  التعميمات النمطية والمبالغات غير حميدة، وأخص بالذكر سعيه الحثيث لإدانة الحضارة الغربية عن بكرة أبيها بحيث  كدَّ في إظهارها حضارة وثنية كمونية من خلال اختزال فلسفاتها في مقولات جامدة، واختصار أراء مفكريها في كلمات محدودة لا تسمن ولا تغني من جوع، وذلك ليتسنى له الحكم عليها وإدانتها ونعتها بالسطحية في التحليل والضحالة في التفكير.
      لكن الكتاب لا غنى لكل من أراد الإحاطة بمسألة العلمانية في الوطن العربي وتفاعلاتها المختلفة وكذا التبصر بجذورها التاريخية والفلسفية.
     



[1]- عبد الوهاب المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة. ص16.
[2] -المرجع نفسه ص222.

الأربعاء، 25 مارس 2015

بيان مُشكل الأحاديث لأبي بكر محمد بن فورك ملاحظات على طبعة الألماني: رايمند كوبرت

بيان مُشكل الأحاديث لأبي بكر محمد بن فورك
ملاحظات على طبعة الألماني: رايمند كوبرت
      تعبر طبعة رايمند كوبرت لكتاب "بيان مشكل الأحاديث" أقدم طبعة للكتاب، وقد رأت النور في روما، وعلى وجه الدقة في الفاتيكان سنة 1941 [1]،  لكنها طبعة ناقصة إذ اعتمد المحقق على نشر "نخبة مختارة"[2] بعناية من الكتاب الأصلي، ورغم ذلك فإنها طبعة نقدية ممتازة بالمقارنة مع عدد من الطبعات التي تلتها والتي اعتورتها الكثير من المثالب مثل الأخطاء والتحريفات بالإضافة على اعتماد مخطوطة واحدة.
      تتضمن طبعة الكتاب مقدمة المؤلف كاملة وبعض الفصول المختارة بعناية والمفصحة عن منهج الرجل في تأويله للأحاديث النبوية المُهِمة للتشبيه، ورغم الجهد الكبير الذي بذله المحقق في مقابلة النسخ وتصحيحها فإنه لم يبذل جهدا يذكر على مستوى تخريج الآيات والأحاديث والأشعار ونسبتها إلى أصحابها مما هو عادة من جهود المحققين. كما أن مقدمة التحقيق رغم قصرها شابها الكثير من الاعتلال:
      ظهر ذلك أولا في كم الأحكام الاستشراقية النمطية التي تطفح بها ، فهو يعتبر أن تصور الفكر الإسلامي عموما والفكر الكلامي خصوصا للإله هو فكر مغرق في الرَثَاثة والضحالة مقارنة مع الفكر المسيحي، يقول عن جهود ابن فورك في تأويل الأحاديث المتشابهة: "لعلنا نستطيع بالمنظور الشامل فهم التطور الأشعري، من وجهة النظر الإسلامية أيضا، على أنه تطور فكري صحي اقترب به أكثر الإسلام من مستوى ارتقاء الفكر المسيحي عن الإله"[3]. وهذه الصورة النمطية المقابلة بين المسيحية والإسلام على أساس أن الدين الأول متطور بينما الثاني مجدب وقاحل بخصوص التصورات اللاهوتية هو لب الرؤية الاستشراقية المسكونة بالمقابلة الجوهرية بين الشرق والغرب/ الإسلام والمسيحية. 
      وليس هذا وحسب بل إن ثمة حكما استشراقيا آخر مرتبط بالصورة النمطية الأولى ويتأسس على أن العديد من الأفكار المسيحية اللاهوتية قد تسربت إلى المنظومة الإسلامية في غفلة من أهلها وأصبحت جزءً من التصورات الإسلامية، وهذه التسربات هي التي أضفت على الإسلام وجهه المشرق، يقول بصيغة توكيدية لا تقبل الجدل: "من المعلوم أن الإسلام قد دخل إليه في زمن انتشاره العاصف بعض الأفكار المسيحية دون أن يلاحظ ذلك علماء المسلمين"[4].
      ثم إنه لا يتورع أن يصف بكثير من الفضاضة الأحاديث المشكلة التي توهم التشبيه بأنها "أحاديث مظلمة"، ويكرر ذلك في مواضع كثيرة من تقديمه للكتاب، مما يشي بنوع من الإصرار المتعمد.
      وتظهر الاعتلالات كذلك في عدم قدرة المحقق على فهم النصوص التاريخية المتعلقة بحياة المؤلف، ثم إنه لا يكتفي بذلك بل يبني على فهمه الخاطئ أحكاما يطيش لها العقل، ومن ذلك القصة التي وردت في مصادر ترجمة ابن فورك المتعلقة بمحنته، سأسرد الواقعة التي يرويها تلميذه أبو القاسم القشيري ثم اتبعها بتعليقات السيد المحقق ليتبين لنا مدى سوء الفهم الذي وقع فيه الرجل ومدى التعسف في التأويل المنبني على سوء الفهم.
      أورد تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية في ترجمة ابن فورك ما يلي: "وقال الأستاذ أبو القاسم القُشيري تلميذه، سمعت الإمام أبا بكر بن فورك يقول: حُملت مقيَّدا إلى شيراز لفتنة في الدين، فوافيت باب البلد مُصبحا، وكنت مهموم القلب، فلما أسفر النهار وقع بصري على محراب في مسجد على باب البلد مكتوب عليه )أليس الله بكاف عبده( وحصل لي تعريف من باطني أني أُكفى عن قريب، فكان كذلك"[5].   
      يعلق صاحبنا على هذه الواقعة قائلا: "في هذا التقرير يظهر ابن فورك في صورة غريبة: فهو في الوقت نفسه حارس مساجين في قضايا الزندقة والكفر ورجل التدين العميق"[6] ترى أين يظهر في النص أن ابن فورك كان حارس مساجين اللهم إلا في خيال المحقق، ومن ثمَّ يستغرب كيف يجمع الرجل بين أمرين متناقضين هما التعصب الديني والإيمان الصادق، يقول: "هذا الجمع الغريب، الذي يبدو لنا نحن أبناء اليوم عسيرا على الفهم، لا تقبل الجمع كالتعصب الديني والإيمان الصادق"[7].
      هذه فقط بعض الملاحظات المتعلقة بمجموعة من الأحكام النمطية وسوء الفهم الذي وقع فيه المحقق الناتج عن ترسخ الرؤية الاستشراقية عميقا في أعمال الغربيين المتعلقة بالحضارة الإسلامية، وإلا فإن الرجل قد بذل جهدا طيبا في المقابلة بين النسخ المختلفة للكتاب في هذه النخبة المختارة منه الشيء الذي جعل عمله متميزا.
     
       




[1] -دانيال جيماريه، مقدمة تحقيق كتاب "كتاب مشكل الحديث أو تأويل الأخبار المتشابهة" لأبي بكر محمد بن فورك. طبعة المعهد الفرنسي للدراسات العربية-دمشق 2003. ص م1.
[2] -رايموند كوبرت، مقدمة تحقيق كتاب "بيان مشكل الحديث" لأبي بكر محمد بن فورك، ترجمة: محمود كبيبو. الوراق للنشر 2012. ص7.
[3] -المرجع نفسه ص13.
[4] -المرجع نفسه ص17.
[5] -تاج الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى. تحقيق: محمود محمد الطناحي وعبد الفتاح الحلو. مطبعة عيسى البابي الحلبي، الطبعو الأولى 1964. 4/130.
[6] -المرجع نفسه ص25.
[7] -المرجع نفسه ص26.

الاثنين، 23 مارس 2015

القدر في ضوء الكتاب والسنة محمد فتح الله كولن

القدر في ضوء الكتاب والسنة
محمد فتح الله كولن
      خاض الكاتب في مؤلفه هذا لُجَّة حارقة وموضوعا صعبا، فرغم أن القدر من أكثر المسائل التي ركَّز عليها القرآن والسنة فالواقع أن المسلمين كانوا "يتحرجون من الخوض فيه"[1]، لكن طريقة معالجة الرجل للموضوع اتسمت بنوع من البساطة المدهشة، فغرضه الأساس هو تيسير الصعب وتقريب المشكل العويص ليكون في متناول العموم خصوصا إذا علمنا أن الماديين وجدوا في "مسائل القدر كأنها موضع هش للهجوم"[2] على تصورات الإسلام والمشاغبة عليه وخلخلة عقائد العامة.
      والكتاب عبارة عن أربعة فصول، الثلاثة الأولى منها عبارة عن "جامعة لسلسة المواعظ والدروس التي ألقاها ارتجالا العالم الجليل محمد فتح الله كولن، وسُجلت مباشرة على أشرطة التسجيل، ثم حُوِّلت إلى أسلوب الكتابة وعُرضت على الأستاذ المؤلف. وبعد إجراء التصحيح والتشذيب" المناسبين تم نشرها، أما الفصل الرابع "فهو فصل الأجوبة عن الأسئلة التي وُجهت إلى الأستاذ الفاضل بوسائل مختلفة وفي مواضيع شتى"[3].
      والرجل في مسألة القدر يميل إلى مذهب أهل السنة والجماعة التي يكرر باستمرار أنه يمثل موقفهم، وتصوره لمسألة الإرادة الإنسانية ينحاز إلى التقليل من شأنها إلى الحد الأدنى، فرغم أنه يُقر بها فإنه يعتبر وجودها مجرد وجود اعتباري، يقول: "نعم، إن لنا إرادة، وهذا صحيح، ولكن ليس لها وجود خارجي فهي ليست مخلوقة، ولهذا لا يمكننا أن ننظر إلى إرادتنا أنها موجودة"[4]. لهذا فإنه يطلق عليها "الإرادة الجزئية" مقابل "الإرادة الكلية" التي هي الإرادة الإلهية[5]، ويفسر مذهبه هذا بأنه لا يجد تناسبا بين الفعل الإنساني ونتائجه )العلة والمعلول( بناء على قانون "تناسب العلية"، ويضرب لذلك مثلا: "هب أنكم لمستم زرا لمَكِنة كهرباء عظيمة، علما أن غيركم قد هيأ هذه المكنة بنظام دقيق، بحيث إن مجرد مس زرها يجعل المكان كله غارقا في النور. فالعمل الجزئي الذي قمتم به والنتيجة العظيمة التي ظهرت لا تُشاهد بينها علاقة معقولة"[6].
      ولعل هذا المقطع من الكتاب يلخص موقفه بشكل جلي "إن ما نسميه "الإرادة" صغيرة صغيرة إلى درجة ضئيلة جدا، بحيث مهما توسعت آفاق نظراتنا وتعمقت لا تستطيع رؤيتها ولا تمييزها، لأن ليس لها وجود خارجي. وهي صغيرة لحد لا يمكن إيجاد علاقة بينها وبين ما يترتب عليها من أعمال حسب قاعدة "تناسب العلية"[7].



[1] - محمد فتح الله كولن، القدر في ضوء الكتاب والسنة. ترجمة: إحسان قاسم الصالحي. دار النيل للطباعة والنشر، الطبعة الرابعة2006. ص5.
[2] -المرجع نفسه ص5.
[3] -المرجع نفسه ص7-8.
[4] -المرجع نفسه ص26.
[5] -المرجع نفسه ص116.
[6] -المرجع نفسه ص27.
[7] -المرجع نفسه ص88.

الأحد، 8 مارس 2015

أكثر أبو هريرة مصطفى بوهندي.

أكثر أبو هريرة
مصطفى بوهندي.
أثارت مرويات أبي هريرة الكثير من الضجيج واللغط منذ الوقت الذي بدأ فيه يتوسع في الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم خصوصا بعد وفاة عثمان بن عفان إلى يوم الناس هذا، فصور اعتراض الصحابة عليه متعددة ومنها ما أورده المؤلف نفسه من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أصبح جنبا فلا صوم له" رواه مسلم وأحمد وغيرهما. فقد أثار حفيظة العديد من الصحابة حتى أن زوجات النبي ردوا عليه روايته.
واستمر الجدل لكثرة تحديثه عن الرسول اليوم، لهذا نجد تشكيك المؤلف في روياته يقوم على أساسين هما:
-نفي الصحبة عن أبي هريرة من خلال عملية حسابية صرفة عن طريق طرح مدة إسلامه من سنة وفاته أخذا بعين الاعتبار أنه قد أسلم في الثلاثينات من عمره والتي يستنتج منها الرجل أن إسلام أبا هريرة كان بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.
-أخذ أبي هريرة عن أهل الكتاب خصوصا كعب الأحبار وعبد الله بن سلام ثم خلطه في روايته عنهم هذه الموقوفات تارة مرفوعة وأخرى موقوفة.
والذي أراه أن الرجل قد يكون محقا في الكثير من الأسئلة التي طرحها بخصوص مرويات أبي هريرة، لكن الدليلين المعتمدين في هدم أحاديثه كانا متهافتين إلى درجة كبيرة.
 فبخصوص عدم صحبة أبي هريرة فإن الدليل القاطع الذي اعتمده المنبني أساس على سن أبي هريرة يوم إسلامه إنما هو من رواية أبي هريرة نفسه، فكيف يتجرأ الكاتب على التشكيك في كل أحاديث أبي هريرة ثم يبني استنتاجا قاطعا بناء على روايته، وهو لعمري عجيب.

أما بخصوص الخلط الذي وقع في روايات أبي هريرة عن أهل الكتاب بين الرفع والوقف فإن الإشكال قد يكون بفعل تدخل الرواة وليس من فعل أبي هريرة وهو ما انتبه إليه الكاتب نفسه، كما أن منهجية المحدثين في غربلة الحديث سندا ومتنا قادرة على كشف مثل هذه العلل في الأحاديث وبيانها.