الجمعة، 23 أكتوبر 2020

قراءة في كتاب "موسى والتوحيد: أكثر من 200 إضافة نوعية قرآنية على سفر الخروج"

قراءة في كتاب "موسى والتوحيد: أكثر من 200 إضافة نوعية قرآنية على سفر الخروج"

تقديم:

هناك موقفان متضادان في التوجه متفقان في النتيجة والمآل، فيما يتعلق بقضية علاقة القرآن الكريم بالكتب المقدسة السابقة: العهدين القديم والجديد، وهذان الموقفان هما:

الموقف الأول: وتمثله العديد من الدراسات الغربية، وخصوصا تلك الدراسات المتأثرة بالرؤية الاستشراقية العامة القائمة على أساس الفصل الجوهري بين الأديان، والقائلة بأن الروح العامة التي تحكم الدين المسيحي وكتابه المقدس ليست هي ذاتها التي تحكم الدين الإسلامي وكتابه، ومن ثمّ يروِّجون لفكرة أساس في أطروحاتهم، وهي أن الإسلام والقرآن ليسا إلا نسخة مزيفة لما ورد في العهدين القديم والجديد، ويفترضون بناء على ذلك وجود أحد أمرين:

أ- وجود نسخة مسيحية ويهودية للقرآن مطمورة في ثناياه يمكن الكشف عنها عن طريق إعمال أدوات النقد الفيلولوجي من خلال المقارنات اللغوية، أو آليات النقد الكوديكولوجي بمقارنة النسخ القديمة للمصاحف بالمصحف المتداول اليوم، ومن ثمَّ يزعمون أن هذه النسخة الأصلية المفترضة قد تمّ إدخال العديد من التعديلات عليها بوجود الإسلام الإمبراطوري فيما بعد النشأة المبكرة للإسلام.

ب- وجود مُعلِمين مفترَضين قاموا بإملاء القرآن المبكر على النبي محمد، وكانوا في ذلك وسطاء محتملين بين الكتب المقدسة السابقة وبين القرآن.

يقول مؤلف الكتاب الذي نروم تقديمه في هذه الصفحات الأستاذ مصطفى بوهندي عن هذا الموقف الذي "شاع عند أهل الكتاب والدارسين الغربيين الذين لم يروا في هذا القرآن إلا نسخة عربية للكتاب المقدس جمعها محمد مما سمعه من أهل الكتاب... أثناء أسفاره التجارية..."[1].

الموقف الثاني ويمثله "الاعتراض الشائع لدى المسلمين... ضد هذه الكتب وضد التعامل معها، بوصفها كتبا محرّفة قد أبطلتها شريعة محمد وقرآنه ونسختها"[2]، ولعل هذا الموقف قد بدأ مبكرا لأسباب خاصة بالتأسيس متمثلا في الروايات المنسوبة إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم نفسه التي نهى فيها عن الاطلاع على الصحف المقدسة في زمانه، فقد رُوي أنه رأى عمر بن الخطاب وفي يده صحيفة من التوراة، فغضب فقال: "أَمُتَهَوِّكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذِّبوا به، أو بباطل فتصدّقوا به، والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيا، ما وسعه إلا أن يتبعني"[3]. ثم جاءت المواقف الفقهية بعد ذلك لتزيد الأمر تأكيدا، حيث ميّز الفقهاء في قراءة هذه الكتب بين مواقف مختلفة، فحظروا ذلك على العامي، وأجازوا قراءتها للعالم ولكن بشرط تفنيدها والرد على أصحابها[4].

بينما الصحيح حسب الأستاذ بوهندي: "أن رسالة محمد جاءت لتصديقها وتأكيد ما فيها من نور وهدى"[5]، وليس لنفيها نفيا تاما، ومنع قراءتها والاستفادة منها.

والموقفان المشار إليهما، رغم أنهما متعارضان من حيث الشكل باعتبار أنهما ينطلقان من خلفيات متضادة، فإنهما من حيث الجوهر يشتركان في نفس المآل، وهو نفي كل واحد منهما للآخر، فثمة إما نفي للقرآن وأصالته من جهة، وإما نفي للكتب المقدسة السابقة، وإمكانية الاطلاع عليها والاستفادة منها من جهة مقابلة.

لكن الأستاذ بوهندي في كتابه الذي بين أيدينا "موسى والتوحيد: أكثر من 200 إضافة نوعية قرآنية على سفر الخروج" حاول تصحيح هذا الوضع عن طريق اجتراح موقف معتدل ومختلف يقوم على فكرة أساس ذات جناحين هما:

- إمكانية الاستفادة مما ورد في الكتب المقدسة بعهديها القديم والجديد، مما ما تزال روح النبوة ونور الوحي حاضرين فيها.

- إعمال النقد القرآني لهذه الكتب فيما ثبت تحريفه، مع بيان الإضافات القرآنية التي أغنت الأحداث التاريخية والحقائق الدينية الواردة في هذه الكتب.

وتتأسس هذه الفكرة على اعتقاد مزدوج مفاده، أن الكتب المقدسة السابقة، وإن تعرضت للتحريف والتزوير في الجملة، فإنها ما تزال تحتفظ بالكثير من نورانية الوحي وهَدي النبوة.

وعليه، فإن النتيجة التي يمكن التوصل إليها من خلال هذا الموقف تتمثل في شيئين:

أولا: تأكيد الأصل الإلهي للقرآن، وذلك من خلال إثبات الإضافات الكثيرة التي قدمها مما لا ذكر في هذه الكتب السابقة، وذلك باعتبار أن القرآن هو حلقة في مسيرة الأنبياء، حيث لم تختلف تلاوته في جوهرها عن تلاوتهم من حيث الدور النقدي والاسترجاعي الذي مارسوه هم أيضا على من سبقهم[6].

ثانيا- إثبات صحة أصل التوراة، وأنها ما تزال تحتفظ بروحها الأصلي، رغم ما تعرضت له من "أصناف التأثير التاريخي والاجتماعي والفكري والمذهبي والسياسي"[7]، فقد جعلت الرحلةُ التدبرية الكاتبَ من خلال عمله في هذا الكتاب يدرك "أن أسفار الكتاب المقدس لا تزال تحمل نور وهدى الوحي وأسس ومبادئ التوحيد التي أنزلها الله على رسله وأنبيائه، وأنها لا تزال تمثل مصدرا أساسيا للمعرفة والإلهام والوحي"[8] مصداقا لقوله تعالى: "إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ"[9].

ومن ثمّ، فإن "ما ذكره القرآن من تحريف وزيادة ونقصان وخلط ونسيان وتوظيف وكتمان، إنما يتعلق بأصحاب هذه الكتب الذين هم ليسوا سواء؛ فمنهم الصادقون والمتقون والمؤمنون ومنهم غير ذلك ممن يحرّفون الكلم عن مواضعه ويشترون به ثمنا قليلا ويكتمون الحق وهم يعلمون"[10].

1- تعريف مقتضب بالكتاب وسياقه:

صدر الكتاب الأخير للأستاذ مصطفى بوهندي "موسى والتوحيد: أكثر من 200 إضافة نوعية قرآنية على سفر الخروج" سنة 2018، عن دار الساقي في 287 صفحة، وقد ذكر فيه المؤلف 208 إضافة قرآنية مقسمة على ثمانية عشر فصلا[11]، ويعتبر هذا الكتاب الحلقة الثانية في سلسلة "الإضافات النوعية القرآنية" التي خصصها الكاتب لبحث مقارِن بين القرآن الكريم وأسفار العهد القديم بخصوص مواضع وقصص ونصوص مشتركة بينهما، وقد كان الجزء الأول من هذه السلسلة صدر عن نفس الدار و"مركز أديان للبحث والترجمة" سنة 2011 بعنوان "الإضافة النوعية القرآنية: مراجعة نقدية في سفر التكوين".

والأستاذ مصطفى بوهندي متخصص في تاريخ الأديان ومقارنتها، فهو أستاذ تاريخ الأديان ومقارنة الأديان بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، وكذلك مدير مجموعة من مراكز الأبحاث المهتمة بهذا الحقل العلمي الدقيق مثل "مركز مراجعات للدراسات والأبحاث"، ويمتلك الرجل مشروعا كبيرا مؤلفا من عدة حلقات، خصص كل كتاب أو حلقة للمقارنة بين القرآن وأحد أسفار التوراة الخمسة، وقد أشار بوضوح إلى ذلك عند بيانه لسبب إغفاله لبعض المحطات المهمة في قصة موسى التي عالجها القرآن، مثل قصة البقرة الصفراء في هذا الكتاب بأنها لم ترد في سفر الخروج، وأنه سيعمل على معالجتها عند مقارنة القرآن مع الأسفار الباقية، يقول: "لقد خصصنا هذه المواضيع جميعا وغيرها بالمراجعة والدرس، وبيان الإضافات النوعية القرآنية عليها في كتب مقبلة خصصنا كل واحد منها لسفر من الأسفار الخمسة من الكتاب المقدس بالمنهجية نفسها المتبعة في هذا الكتاب"[12].

ثم إن هذا المشروع نفسه يندرج ضمن مشروع أوسع للرجل اعتنى فيه بمعالجة وبحث الكثير من القضايا في الدراسات الإسلامية على ضوء المقارنة مع التلاوات الكتابية السابقة؛ حيث تتبع الآثار المحتملة لهذه التلاوات على الفكر والعلوم الإسلامية، هذا المشروع الذي بدأه منذ مدة، فقد كانت رسالته للدكتوراه حول موضوع التأثيرات المحتملة للعقائد والأفكار المسيحية في أقوال المفسرين وكتب التفسير، والتي نشرها بعنوان "التأثير المسيحي في تفسير القرآن" سنة 2004[13].

ومما يؤكد ما سبقت الإشارة إليه بخصوص كون كتاب "الإضافات القرآنية..." هو حلقة ضمن مشروع قول المؤلف نفسه: "يعد هذا الكتاب ثاني أعمال سلسلة الإضافة القرآنية النوعية، خصصناه لبيان ما أضافه القرآن الكريم على السفر الثاني من أسفار العهد القديم، من تصديقات ومراجعات وبيانات نوعية"[14].

فالفكرة الأساس التي يقوم عليها الكتاب والمشروع برمته هو بيان الإضافات النوعية التي قدمها القرآن على أسفار التوراة الخمسة.

فما معنى الإضافة القرآنية؟

وما هي أهم أنواعها؟

وما هو الغرض من إيرادها؟

وما هو المنهج الذي اعتمده المؤلف في هذا الكتاب؟

وما هي أبرز الاستشكالات التي يمكن طرحها بخصوص كل من الإضافات والمنهج؟

2- الإضافات القرآنية وأنواعها

تَعني الإضافة في اللغة الميل ومنه جاءت المعاني الأخرى مثل الزيادة والضم، وقد وظّف الكاتب الإضافة في كتابه بمعنى الزيادة عموما، وهو معنى مقبول إذا ما استحضرنا أن القرآن يورد الكثير من الزيادات المتمثلة في أحداث وقضايا سكتت عنها التوراة، لكن بالإضافة إلى ذلك فإن المؤلف يجنح في مواضع كثيرة إلى التوسع في معنى الإضافة لتشمل أنواعا وضروبا أخرى غير الزيادة، وهو ما سأحاول رفع اللثام عنه هنا قبل الانتقال إلى مناقشته في ذلك.

يقول المؤلف في معرض تعليقه على الإضافات التي أوردها القرآن على السرد المتعلق بقصة موسى خلال ميلاده وطفولته وشبابه: "جاءت هذه الإضافات القرآنية متنوعة:

- بعضها مُصدق ومؤكد؛

- وبعضها مُراجع ومُصحّح، على مستوى المعاني والمفاهيم ووصف الأحداث والأشياء والملابسات؛

- وبعضها ناف ومُلغى؛

- كما أن العديد منها صفح القرآن عن ذكر ما ورد في التلاوة السابقة، وكان في صفحه ذاك، إما مهملا له لقلة أهميته، وإما ملغيا له لانتفاء صحته"[15].

هذا ما ذكره المؤلف صراحة من الإضافات، لكن يمكننا زيادة إضافات أخرى من خلال استقراء عمله في الكتاب، منها:

- التفردات القرآنية التي لم يرد لها أصل في التلاوة الكتابية[16].

- التفاصيل الوافية المتعلقة بما أكده القرآن وصدّقه من الأحداث الأصلية التي وردت فقط عبارة عن عناوين كبرى في الكتاب المقدس.

- الترميم القرآني للكثير من الأحداث عن طريق "ردّ النصوص الكتابية إلى سياقها وجعلها أكثر انسجاما"[17]، وهو نوع من أنواع المراجعة والتصحيح، لكنه أرفعها باعتبار الدقة المفترضة في كشف زيف الإضافات التفسيرية غير المنسجمة والمقحمة في النص الأصلي وردها إلى سياقها الطبيعي.

وقبل التعليق على هذه الإضافات، يجمل بنا أن نبيّن القصود المختلفة للمؤلف الكامنة وراء إبرازه لهذه الإضافات القرآنية بأنواعها المختلفة، ولعل أهمها:

أ- "استرجاع الأبعاد الرسالية والقيم الإنسانية والأدوار التاريخية والدينية المتركزة على التوحيد، التي أداها موسى في تاريخ الأديان عموما، وتاريخ بني إسرائيل على الأخص"[18]، خصوصا إذا استحضرنا عنوان الكتاب "موسى والتوحيد". ورغم أنه يحيل مباشرة على عمل مشهور يحمل العنوان نفسه لسيجموند فرويد، فإنه لا تجمع بينهما أية صلات في نظري ما عدا العنوان، وذلك لوجود اختلافات جذرية بين العملين، سواء من حيث المقاصد والغايات أو الحقل المعرفي المشتغل عليه أو الأدوات المعرفية المتوسل بها في البحث والنظر.

ب- إضفاء الأبعاد النفسية والاجتماعية على قصة موسى.

ج- التنبيه على القيم السلوكية والأخلاقية الكامنة في هذه القصة.

د- إبراز فلسفة قصة موسى وإدراجها "في إطار سنن الله التاريخية والاجتماعية الثابتة"[19].

بعد هذا الاستطراد الخفيف، نعود مرة أخرى إلى معنى الإضافة وأنواعها، وذلك أن الملاحظة الرئيسة التي يمكننا مناقشتها هو ذلك التوسع الكبير للكاتب في معنى الإضافة بحيث منحها أبعادا كثيرة ووظفها بطرق شتى الشيء الذي يجعلنا نستشكل بعض تلك الأبعاد والتوظيفات وذلك بالنظر إلى معنى الإضافة في اللغة، ومن بين هذه الاستشكالات التي يمكن سوقها:

أولا: اعتبار التصديق والتأكيد إضافة

بعض الإضافات التي سجلها الكاتب بهذا الاعتبار ذكرتها التوراة كذلك بنفس الطريقة، وهو ما اعترف به الكاتب في أكثر من موضع واعتبر ذلك تصديقا وتأكيدا من القرآن لما ورد في الذكر الكتابي.

لكن الأمر بهذه الصورة يطرح إشكالا مركبا:

أ- فمن جهة أولى، فإن الأمر بهذا الشكل لا إضافة فيه بمعنى الزيادة، بل هو مجرد تصديق وتأكيد، الشيء الذي يطرح علامة استفهام على اعتبار مجرد التصديقات القرآنية إضافات، اللهم إلا إذا كان هدف الكاتب من اعتبار ذلك إضافة ليس فقط ذكر التفصيلات المتعلقة بقصة موسى بقدر ما هو جمع هذه التفاصيل في إطار فلسفي عام، لكن الملاحظ أن الكاتب لم يُطرٍّد هذا المنحى من العمل في جميع كتابه، ولو أنه قام بذلك لكان أجدى من مجرد تتبع السرد التاريخي للأحداث، ومن بين القضايا الفلسفية الكبرى التي كان بالإمكان مناقشتها بنَفَس مقارَني نذكر قضايا التوحيد والنبوة والمعجزة والسنن التاريخية والاجتماعية والقيم الأخلاقية وفلسفة التشريع... وغيرها.

ب- ومن جهة مقابلة نجد إشكالا آخر، وهو المتعلق بالزيادات الواردة في التوراة الخاصة بقصة موسى، والتي لم ترد في القرآن، رغم أنه صدّقها في الجملة، وذلك مثل التفاصيل المتعلقة بواقع الاضطهاد الذي تعرض له الشعب الإسرائيلي واستعرضه سفر الخروج بشكل مستفيض خصوصا في الإصحاح الخامس[20]، بينما اكتفى القرآن بتصديق جوانبه العامة مثل قوله تعالى: "قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(128) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129)"[21].

والأمر هنا لا يتعلق بالتفاصيل التي سكت عنها القرآن سكوتا مقصودا لعدم موافقته عليها مثل أحكام الكهنوت "باعتبارها أُضيفت إلى أحكام الشريعة من طرف الكهنة"[22]، ولا حتى بالتفاصيل التي قام القرآن بمراجعتها، لأنها تتناقض مع الحقائق التاريخية والدينية، بل تتعلق أساسا بالزيادات الواردة في التوراة مما لا ذكر له في القرآن، لهذا قد تكون القاعدة الأنسب في نظري للتعامل مع ما سكت عنه القرآن مما هو من هذا القبيل كالتالي:

- إذا كانت تلك الزيادات متناقضة مع القرآن أو العقل أو الحس أو الوقائع التاريخية الثابتة أو سنن التاريخ وقوانينه أو مقاصد الأخلاق، فلا شك أنه ينبغي ردها، وقد ذكر الكاتب نفسه جملة من القواعد العامة في نقد متون التلاوات الكتابية في كتابه "التأثير المسيحي..."[23]، وساعتئذ فلا بأس من اعتبار سكوت القرآن تصحيحا وإضافة، باعتبار الكتب السابقة هي التي يجب أن تُقرأ في ضوء القرآن لا العكس.

- أما إذا لم تكن تلك الزيادات متناقضة مع ما تمّ ذكره من القواعد، فيمكن اعتبارها مما لا يُصدّق ولا يُكذّب كما قال العلماء قديما[24]، بل لا يوجد مانع من اعتبارها إضافات، وقد تفطن الكاتب لذلك في بعض المواضع واعتبرها بالفعل إضافات، ففي الإضافة رقم 60 المتعلقة بمجال الواد المقدس وبعد أن أورد التفاصيل المتعلقة بهذا المجال في كل من القرآن وسفر الخروج قال: "وكل منهما ركّز على جانب من الحدث وقدّم إضافات نوعية تتعلق بالمجال والرسالة..."[25]. ولو كانت تلك الزيادات خاطئة لما سكت عنها القرآن، فعفوه الوارد في الآية "ويعفو عن كثير"[26] يجب أن يُحمل على ما أخفوه مما لا يتعارض مع القرآن مثل إخفائهم لبيان صفات النبي الذي بشَّر به موسى، وقد خصص له الكاتب فصلا كاملا هو الفصل السابع عشر: "النبي الآتي".

ولهذا، فإن الإشكال الذي يبقى عالقا بعد كل هذا البيان هو مشكلة عنوان الكتاب الذي قَصَر فيه المؤلف الإضافات على القرآن حصرا مع أنه يعترف صراحة بوجود معنى الإضافات في التلاوة الكتابية كذلك.

ثانيا: اعتبار سكوت القرآن "عفو القرآن" في بعض المواضع إضافات، مشكل من جهات

أ- اعتبار السكوت إضافة مشكل من حيث إن الإضافة في اللغة تعني الزيادة، بينما واقع الحال هنا يكمن في عدم ذكر القرآن لبعض التفاصيل الواردة في التوراة، فإذا قبلنا الإضافة بالمعنى الإيجابي الذي تفيده في دلالتها اللغوية فكيف يمكننا قبولها بالمعنى السلبي الذي لا تفيده؟

ب- لم يشترط القرآن على نفسه بخصوص مسألة القصص التي وردت فيه ذكر كل ما يتعلق بها، حتى يتسنى لنا أن نحكم على كل ما سكت عنه بأنه يرفضه ولا يُقره.

والخلاصات التي يمكن الركون إليها بخصوص مسألة الإضافات باستحضار الملاحظات السابقة نلخصها في شيئين:

- التوسع الكبير في معنى الإضافة، حيث استعملها المؤلف بمعنى الزيادة وبمعنى التصديق والتأكيد وبمعنى المراجعة والتصحيح وبمعنى النفي والإلغاء... وهو ما لا يستقيم مع المعنى اللغوي لكلمة إضافة.

- أن المؤلف لم يقدم تعريفا دقيقا لمفهوم الإضافة، حيث يَسهل معه على القارئ تتبع عمله في استقصاء الإضافات بناء على المعنى الذي قدمه، بل اكتفى فقط بذكر بعض أنواعها بين الفينة والأخرى.

3- إضاءات حول المنهج

اعتمد الكاتب المنهج المقارن عموما في دراسته، فهو يعمل كما أوضحنا ذلك على بيان الإضافات النوعية القرآنية التي قدمها القرآن على واحد من أسفار الكتاب المقدس ألا وهو سفر الخروج من خلال المقارنة بينهما بخصوص قصة موسى، ولكن رغم ذلك يمكن الدفع بالملاحظات التالية:

أولا: لم يفصح الكاتب عن تفاصيل المنهج العام الذي سلكه في كتابه، حيث يحتاج القارئ أن يتلمس تلك التفاصيل في مواضع كثيرة ومتفرقة، وربما كان المؤلف يحتاج إلى كتابة مقدمة لمشروعه تكون عبارة عن "بيان أدبي" يلخص فيه الخطوط العامة لمشروعه مثل: المنهج - الأهداف - الإشكالية - تحديد المفاهيم الأساسية خصوصا مفهوم الإضافة...

ثانيا: عوّل الكاتب في تفاصيل المقارنات التي عقدها بين القرآن وسفر الخروج بخصوص قصة موسى على المتابعة التاريخية لأحداث القصة، مع محاولة تبّصر الأسس الفلسفية التي تحكم القصة أحيانا، لكنني أعتقد كما أشرت إلى ذلك سابقا أن المنهج القائم على بحث القضايا العامة في درس الدين المقارَن قد يكون أفيد، وذلك لقدرة هذا المسلك على تحقيق نتيجتين مهمتين هما:

أ- تقريب القارئ والمتخصص على حد سواء من الفروقات العامة التي تحكم الرؤى الدينية والأسس العقدية والتشريعية لكل دين ورسالة.

ب- التبصير بالتوافقات والقواسم المشتركة التي يمكن البناء عليها في أية حوارات أو لقاءات مرتقبة ومطلوبة بين أتباع الديانات المختلفة قصد التأسيس العلمي والتأصيل الكتابي للعيش المشترك.

الخاتمة

إن العمل المهم الذي قام به الأستاذ مصطفى بوهندي في هذا الكتاب وفي مشروعه الكبير بصفة عامة، يمكن حصر أهميته المعرفية والحضارية على الأقل في شيئين:

- أولا: المساهمة في محاولات التقريب بين الأديان التوحيدية الإنسانية الكبرى عبر خلق ثقافة الحوار على أساس قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾[27]، وتتمثل الكلمة السواء في الإقرار بعقيدة التوحيد، وبحث المشتركات العامة التي جاءت بإقرارها هذه الكتب المقدسة والتي ما تزال مبثوثة فيها، ومن ذلك مثلا الوصايا التي أخذها الله على بني إسرائيل في الميثاق والتي درسها المؤلف بعناية في الفصل الثامن عشر مثل عبادة الله والبر بالوالدين ولا تقتل ولا تزني ولا تسرق والإحسان إلى القريب واليتيم والمساكين...

ثانيا- محاولة توجيه علم الأديان المقارَن للسعي لبيان القواسم المشتركة بين الأديان التي تُقرِّب ولا تباعد، وإخراجه من الطابع الأكاديمي الصرف الذي يشتغل على ما هو علمي وينسى ما هو إنساني وحضاري.

[1]- بوهندي، مصطفى، (2019). موسى والتوحيد: أكثر من 200 إضافة نوعية قرآنية على سفر الخروج. (الطبعة الأولى). بيروت: دار الساقي. ص283

[2]- المرجع نفسه ص281

[3]- أخرجه أحمد في المسند عن جابر بن عبد الله، مسند المكثرين من الصحابة، مسند جابر ين عبد الله. وقد أورد الحافظ ابن حجر العسقلاني الطرق المختلفة للحديث وناقشها في فتح الباري بشرح صحيح، طبعة دار المعرفة 13/525

[4]- يقول ابن حجر العسقلاني بخصوص هذا التمييز بعض أن حكى رأي بدر الدين الزركشي القائل بالتحريم المطلق إجماعا بنظرها وكتابتها "والأولى في هذه المسألة التفرقة بين من لم يتمكن ويَصِر من الراسخين في الإيمان فلا يجوز له النظر في شيء من ذلك بخلاف الراسخ فيجوز له ولا سيما عند الاحتياج إلى الرد على المخالف، ويدل على ذلك نقل الأئمة قديما وحديثا من التوراة وإلزامهم اليهود بالتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم بما يستخرجونه من كتابهم..." فتح الباري 13/525-526

انظر مواقف المذاهب الفقهية المحرمة للنظر في كتب أهل الكتاب في الموسوعة الفقهية، ج33 ص65. قراءة. (1983). الموسوعة الفقهية، (الطبعة الثانية) الكويت: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

[5]- بوهندي، موسى والتوحيد، ص281

[6]- المرجع نفسه، ص283

[7]- المرجع نفسه، ص281

[8]- المرجع نفسه، ص281

[9]- سورة المائدة، الآية 44

[10]- بوهندي، موسى والتوحيد، ص282

[11]- وقد صدرت الطبعة الثانية عن نفس الدار في نفس السنة 2019 بعد مرور أشهر قليلة فقط عن الطبعة الأولى، وقد أضاف المؤلف إلى كتابه 27 إضافة جديدة بحيث أصبح عدد الإضافات 235 إضافة قرآنية مقسمة على تسعة عشر فصلا، بحيث أضاف المؤلف فصلا جديدا لكتابه هو الفصل الثامن: موسى والعبد الصالح.

[12]- بوهندي، موسى والتوحيد، ص284

[13]- بوهندي، مصطفى. (2004). التأثير المسيحي في تفسير القرآن: دراسة تحليلية مقارنة. (الطبعة الأولى). بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر.

[14]- بوهندي، موسى والتوحيد، ص11

[15]- المرجع نفسه، ص66

[16]- مثل مرحلة التربية والتعليم في حياة موسى والتي يقول عنها الكاتب: "هناك مرحلة لم يرد لها ذكر في سفر الخروج، وهي مرحلة تربيته وتعليمه... فيما ذكرتها النصوص القرآنية" موسى والتوحيد ص49

[17]- بوهندي، موسى والتوحيد، ص74

[18]- المرجع نفسه، ص11

[19]- المرجع نفسه، ص29

[20]- المرجع نفسه، ص111

[21]- سورة الأعراف، الآيتان 128-129

[22]- بوهندي، موسى والتوحيد، ص214

[23]- يقول الأستاذ مصطفى بوهندي في كتاب التأثير المسيحي...: "لا بد لقبول أخبار الأمم السالفة من شروط في المتن وفي السند.. فأما المتن، فلا يجوز أن يتعارض مع كتاب الله... ولا مع مقاصد الدين وكلياته، ولا مع سنن الكون والتاريخ والمجتمع والفطرة والمنطق والعقل" ص140

[24]- ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم..". صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب ما يجوز من تفسير التوراة وغيرها من كتب الله بالعربية وغيرها.

[25]- بوهندي، موسى والتوحيد، ص86

[26]- سورة المائدة، جزء من الآية 15

[27]- سورة آل عمران: الآية 64

https://www.mominoun.com/articles/%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%89-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%AD%D9%8A%D8%AF-%D8%A3%D9%83%D8%AB%D8%B1-%D9%85%D9%86-200-%D8%A5%D8%B6%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%86%D9%88%D8%B9%D9%8A%D8%A9-%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%B3%D9%81%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B1%D9%88%D8%AC-7145

الأربعاء، 3 يونيو 2020

منير العَكَش، حق التضحية بالآخر: أمريكا والإبادات الجماعية.


منير العَكَش، حق التضحية بالآخر: أمريكا والإبادات الجماعية.
………………..
كيف يمكننا فهم بعض ما يجري اليوم في الولايات المتحدة، بعيدا ضجيج التفاصيل المتراكمة؟
ماذا تقول صورة الرئيس الأمريكي وهو حامل الكتاب المقدس أمام كنيسة الرؤساء؟
كيف نفسر العنصرية المتأصلة في أمريكا؟
هل من سبيل لإدراك أسباب مروق الدولة العظيمة عن القانون الدولي، واشتهاء الغزو المستمر لديها؟
كيف نفسر العنف في حده الأقصى الذي تمارسه أمريكا ضد خصومها؟
كيف تستطيع دولة محاصرة دول وشعوب وإسقاط أنظمة دون أية حسابات أخلاقية أو اعتبارات إنسانية؟
لماذا هل الدعم الهائل والأعمى لإسرائيل؟
لعل إحدى زوايا فهم ما يجري في أمريكا اليوم، وطريقة تعاملها مع الأقليات في الداخل، والخصوم في الخارج، ودعمها المطلق لإسرائيل هو الرجوع إلى التاريخ، -التاريخ الذي لا يروى- والإحاطة بأحداث التأسيس الأولى، وإدراك البواعث الدينية الملهمة للمستوطنين الأوائل والآباء المؤسسين.
 بطبيعة الحال تبقى هذه فقط زاوية من زوايا الفهم والإدراك، وإلا فهناك زوايا أخرى لا تقل أهمية مثل الاقتصاد والفلسفية والسوسيولوجيا..
ومن بين أهم الكتب التي عالجت جوانب هذا التاريخ، وألقت أضواء كاشفة على الأساطير الدينية التي بنى عليها هؤلاء المستوطنون سياسات الإبادة تجاه آخر كتاب منير العَكش "حق التضحية بالآخر: أمريكا والإبادات الجماعية" -للرجل سلسلة كتابات حول الإبادات الأمريكية-، وهو يؤكد أن هذه الأساطير المدمرة لم تكن فقط ملهمة للرعيل الأول من المستوطنين بل ظلت مستمرة مع الآباء المؤسسين مثل جفرسون وآدامس وفرنكلين.. الذين لم يكونوا "بأقل حماسة للمعنى الإسرائيلي للأمة الأمريكية" (ص131) من المستوطنين الأوائل رغم النقد الشديد لفظاعات العبرانيين وأدبياتهم المقدسة (ص154)، وقد ظلت سياسة الإبادة والتطهير سواء ضد الأقليات في الداخل الأمريكي أو ضد الأعداء المصطنعين في الخارج مرافقة للتاريخ الأمريكي لا تنفك عنه.
هذا الكتاب الذي أخرجه الرجل بتشجيعات خاصة من الشاعر الكبير محمود درويش، وبفضل مساعدة مفكري ونشطاء "الحركة الهندية".
فالمستوطنون الأوائل  الذين أسسوا أول مستعمرة إنجليزية في أمريكا كانوا يستلهمون أفكارهم من تصورات العبرانيين القدامي وأفكارهم عن "أرض كنعان"، فقد أطلقوا على أرض أمريكا "أرض الميعاد" وصهيون" و"إسرائيل الله الجديدة"... و"استمدوا كل أخلاق إبادة الهنود من هذا التقمص التاريخي لاجتياح العبرانيين أرض كنعان... بل كانوا يسمون أنفسهم بالمستعبرين Hebriests" (ص10).
ولهذا فإن أمريكا ليست إلا الفهم الإنجليزي التطبيقي لفكرة إسرائيل التاريخي، وإن كل تفصيل من تفاصيل تاريخ الاستعمار الانجليزي لشمال أمريكا حاول أن يجد جذوره في أدبيات تلك "الإسرائيل"، ويتبنى عقائدها في "الاختيار الإلهي" وحق تملك أراضي الغير... (ص123).
ويرى صاحب الكتاب أن الثوابت الخمس التي ألهمت المستوطنين الأوائل ثم رافقت التاريخ الأمريكي كله هي:
1-عقيدة الاختيار الإلهي والتفوق العرقي والثقافي.
ف"لطالما كانت فكرة "الاختيار الإلهي محركا لولبيا في التاريخ الأمريكي والأساس المتافيزيقي لمعظم الممارسات العنصرية في التاريخ القديم والحديث" (ص125)
فباعتبارهم "شعب الله المختار" فWASPS هو رمز الخصال الأخلاقية والعرقية المميزة للذرية الارستقراطية المختارة التي أسست أمريكا: البيض-الانجلو-سكسون-البروتستانت. ص15.
وانطلاقا من فكرة الاختيار الإلهي. دائما كان ينظر العرق الأبيض لتفوقه ونظر إلى السكان الأصليين بأنهم وحوش وسوق هذه الصورة في الكتابات الأولى باعتبارهم وحوشا "لا تعقل ولا تفكر وتأكل بعضها" (ص60)
يقول سناتور ألبرت بيفردج 1900م "إن الله اصطفى الأمة الأمريكية من بين كل الأمم والشعوب وفضلها عليهم وجعلها شعبه "شعبه المختار"، وذلك من أجل قيادة العالم وتخليصه من الشرور". (ص149).
2-التوسع اللانهائي في العالم.
عندما نشر  فردريك تيرنر كتابه "مشكلة الغرب The problem of the West" أكد على أن التوسع والحرب كانا أساس النماء الاقتصادي الأمريكي، ولا بد لاستمرار هذا النماء من استمرار التوسع وعدم إطفاء نار الحرب" (ص136).
 لهذا لا نستغرب أن يتشبع الساسة الأمريكيون بهذه العقيدة، فهذا سناتور هارت بنتون في خطاب أمام مجلس الشيوخ 1846 يقول "إن قدر أمريكا الأبدي هو الغزو والتوسع. إنها مثل عصا هارون التي صارت أفعى وابتعلت الحبال. هكذا ستغزو أمريكا الأراضي وتضمها إليها أرضا بعد أرض.." (ص105)
ومن الغريب أنه إلى حدود الآن لا تعترف الولايات المتحدة بحدود جغرافية لها في دستورها (ص133).
3-حق التضحية بالآخر
لم تعترف الولايات المتحدة قط بعدد الهنود الذين أبيدوا في الشمال الأمريكي منذ بداية الغزو الأبيض، ويرى المؤلف بأن عددهم عند الغزو كان يفوق مائة مليون هندي، تتوزع على أكثر من أربعمائة شعب وقبيلة لم يتبق منهم عند إحصاء 1900 إلا ربع مليون فقط، هذا فقط لتعرف حجم الإبادة التي تعرض لها السكان الأصليون بينما لم تعترف التقارير الرسمية بوجود أكثر من مليون أو ملونين عند بداية الغزو (ص17).
وقد اتخذت هذه الإبادة أشكالا كثيرة:
 المقاتل الجماعية للرجال والنساء والأطفال وحفلات سلخ فروة الرؤوس للحصول على المكافآت المالية التي كانت تخصهها الحكومات المحلية (ص72)
الحصار والتجويع حد الموت
 سياسة الأرض المحروقة
 نشر الأوبئة والأمراض الفتاكة
 الترحيل القسري الجماعي، يكفي فقط القراءة عن رحلة الدموع trail of tears بعد قانون 1830 لمعرفة الفظائع التي لا يمكن أن يكون مرتكبوها بشر (ص30).
 نظام السخرة والاستعباد القاسي
يقول حاكم ولاية كاليفورنيا بيتر برنيت بعد سن قانون "حماية الهنود" سنة 1850 "إن الرجل الأبيض الذي يعتبر الوقت ذهبا.. لا يستطيع أن يسهر طول الليل لمراقبة أملاكه... ولم يعد أمامه من خيار سوى أن يعتمد على حرب إبادة. إن حرب الإبادة قد بدأت فعلا، ويجب الاستمرار فيها حتى ينقرض الجنس الهندي تماما" (ص30).
4-الدور الخلاصي:
"إن الله اصطفى الأمة الأمريكية من بين كل الأمم والشعوب وفضلها عليهم وجعلها "شعبه المختار"، وذلك من أجل قيادة العالم وتخليصه من الشرور" (ص149).
5- المعنى الإسرائيلي لأمريكا.
"إن فكرة أمريكا، فكرة "استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة" عبر الاجتياح المسلح بمبررات غير طبيعية هي محور فكرة إسرائيل التاريخية. وإن عملية الإبادة التي تقتضيها مثل هذه الفكرة مقتبسة بالضرورة... من فكرة إسرائيل التاريخية" (ص124).
يقول جورج فوكس 1624-1691 "أن تكون يهوديا باللحم والدم لا يعني شيئا. أما أن تكون يهوديا بالروح فهذا يعني كل شيء". 'ص123)

الجمعة، 16 أغسطس 2019

مراجعة "هذا الأندلسي".


لم أجد الرواية بنفس المستوى الفني الذي كنت أتوقعه، خصوصا إذا استحضرنا أن الروائي بنسالم حميش كاتب مرموق وذو تجربة واسعة، كما أن موضوع الرواية "هذا الأندلسي" مهم ومثير، فهو يعالج سيرة "عبد الحق بن سبعين"، الشخصية التاريخية والصوفية التي تجمع بين التعقيد والغموض، أو قل بتعبير لويس ماسنيون "شخصية قلقلة" في تاريخ الإسلام.
ويمكن بيان وجهة نظري المتعلقة بجوانب الضعف النسبي في الرواية في وجهين:
أولا: الجانب اللغوي التعبيري الذي تكتنفه صعوبات متعددة تجعل القارئ لا يرتاح لها، خصوصا إذا علمنا أن الرواية سِفر ضخم تحتاج إلى نفس طويل لقراءتها، فقد شاب اللغة التعبيرية لكاتبنا الكثير من التكلف والقلق في العبارة خصوصا في الفصول الأولى من الرواية، وربما لاحظ القارئ أن لغته تتحسن شيئا فشيئا مع مرور الفصول والمقاطع، ولعل ذلك ناتج في نظري عن أحد سببين:
إما أن الرواية كتبت على فترات متقطعة بحيث أن النفس اللغوي الذي كتب به حميش ليس واحدا بل متعددا بتعدد المراحل التي كتبت فيها الرواية، وإما أن الرجل دلف باب الاستئناس مع شخصية ابن سبعين وتاريخه وحقله المعرفي الصوفي رويدا رويدا.
ثانيا: الطريقة التي عرض الكاتب سيرة ابن سبعين بحيث ركز على الجوانب الحياتية العادية في سيرة الرجل أكثر من محاولة معانقة الجوانب الروحية والفكرية في حياته، والنفوذ إلى تحليل دواخله النفسية، لأن هذه الجوانب الأخيرة في نظري هي التي صنعت شخصية ابن سبعين التاريخية لا مجرد حوادث الحياة اليومية الرتيبة، بالإضافة إلى أن حنكة الروائيين الكبار تكمن بالخصوص في القدرة على تحليل الشخصيات الغامضة التي لا يستطيع عموم الناس سبر دوافعها ولا تفسير مواقفها، لكن شيئا من هذا لم يقع.
وعموما رغم هذه الملاحظات الأولية فإنها لا تقلل من أهمية العمل ولا الجهد البيّن الذي بذله الكاتب الكبير بنسالم حميش، ولا المكانة الرفيعة لهذا العمل، وبخصوص الملاحظات العامة يمكنني أن أسجل ما يلي:
1-محاولة تبسيط نظرية ابن سبعين الصوفية التي أثارت الكثير من المناقشات عبر التاريخ وخصوصا بعض الآراء المنسوبة إليه في وحدة الوجود وقوله بالوحدة المطلقة، أو القول الشائع المنسوب إليه: "لقد حجَّر ابن آمنة واسعا لما قال لا نبي بعدي"، وإن لم يُعرف أين قال الرجل ذلك بالضبط، ولعل غرض بنسالم حميش من هذا التبسيط شيئين:
أولا تقريب الآراء والنظريات السبعينية والبعد بها عن التعقيدات الفلسفية والمجادلات الكلامية خصوصا إذا علمنا أن العمل هو عمل روائي تطغى عليه المسحة الجمالية الفنية قبل الطابع الفلسفي الفكري.
ثانيا محاولة التطبيع وفك الحصار عن نظرية ابن سبعين التي ضُربت عليها عبر التاريخ وذلك من خلال بيان معقوليتها وعدم مصادمتها للمسلمات الدينية.
2-تقديم صورة إنسانية لشخصية صوفية مرموقة وغامضة في آن، فهي مرموقة لأنها من بين أهم الشخصيات الصوفية الإسلامية التي أثارت الكثير من الجدل في التاريخ وعرفت أنصارا ومعارضين على امتداد الزمان، وهي غامضة لأن الكثير من أراء ابن سبعين لم تدرس وتفهم بما فيه الكفاية، هذا بالإضافة إلى النهاية المأساوية الغامضة لحياته، فقد اجتهد الروائي بنسالم حميش في عرضها بطريقة تبعد عنها على الأقل شكوك الانتحار.
ولعل هذه الصورة التي آثر الكاتب أن يقدم بها هذه الشخصية حكمتها أولا الأبعاد الإنسانية التي يكتنزها التصوف الإسلامي الشيء الذي يجعل منه نافذة مهمة ينفتح من خلالها الإسلام على القيم الكونية مثل الحوار والسلام والتعايش والاعتراف بالآخر والإقرار بحقوق المخالفين... ثانيا التركيز على الأبعاد الجمالية لصلة الصوفي بواقعه من خلال:
-العطف على الفقراء والمساكين، فقد أظهر الكاتب ابن سبعين شخصية كثيرة الجود والسخاء ينفعل وجودها بالجود كما هو معروف في مذهب أبي العباس السبتي.
 -إبراز مشاعر الحب والشوق الإنسانيين اللذين يعترانيه ... فقد كان لابن سبعين معشوقات كثيرات سواء قبل سلوك الطريق أو أثناءها، وقد توسعت الرواية في سرد تجاربه المختلفة خصوصا في الأندلس قبل أن يضطر لمغادرتها، هؤلاء المعشوقات المختلفات منهن من كان حبه لهن صادقا، ومنهن من كانت علاقته بهن علاقة عابرة، لهذا يمكن القول عموما أن الرواية حرصت على تقديم علاقة ابن سبعين بالمرأة المعشوقة إما علاقة مادية عابرة أو علاقة حب حقيقية وعميقة خصوصا مع زوجته السبتية التي أخلص لها طول حياته ولازمه طيفها رغم مفارقته لها ثم حزنه على موتها حزنا شديدا. وفي الرواية إشارات كثيرة إلى كون هذا الحب الصادق أتم وأكمل من الحب المادي الخالص خصوصا عندما يكون الحب الصادق عفيفا وعذريا، وقد يفضي بصاحبه إلى الموت كما هو شأن العشاق الكبار أمثال أم ابن سبعين نفسه أو زوجة أخيه ميمونة.
-ببيان مذهب ابن سبعين في التصوف المنفتح على مباهج الحياة المخالف لمنهج الزهاد.  
3-معالجة الكثير من قضايا العصر، والإجابة على الكثير من إشكالاته الفكرية والفقهية والسياسية من خلال الشخصية المحتفى بها في الرواية، عن طريق عرض الكثير من التأويلات الدينية على لسان ابن سبعين، مثل موقفه من تطبيق الحدود التي لا يراها مطلوبة التحقق بالشكل الظاهري الذي يفهمه الفقهاء ولكن باعتبارها وسيلة لمقاصد إن تحققت انتفى معها الحاجة إلى الوسائل.

الاثنين، 24 سبتمبر 2018

المختار بن عبيد الثقفي: مرآة العصر الأموي

المختار بن عبيد الثقفي: مرآة العصر الأموي.
علي حسني الخربوطلي

رغم أن الكتاب من المؤلفات الأولى التي خصصت حياة المختار بن عبيد الثقفي ببحث مستقل وربما قد يكون هذا الكتاب غير مسبوق في هذا الباب لكن الكتاب ضعيف جدا من حيث التحليل والمناقشة وقد أضعفته أمور عدة في نظري منها:
أولا: الكتاب عبارة عن عرض لسيرة الرجل من خلال المصادر التاريخية المعروفة، فلم يعمد كاتبه لا إلى تصحيح أقوال ولا مراجعة أفكار، وإنما عرض ما ورد في هذه الكتب كما هي بدون مناقشة ولا تحليل اللهم إلا إذا تحدثنا عن تصنيفها في مباحث وتقسيمها إلى أبواب وفصول.
ثانيا: في كل مبحث وفصل من فصول الكتاب يكرر المؤلِف بطريقة ظاهرة ممجوجة ما ذكره في الفصول السابقة الشيء الذي جعل الكتاب عبارة عن فصول مكررة ومباحث لا جديد فيها، يسأم القارئ من متابعته وينفر منه، ولا أظن أن قارئا مهما كان صبورا في قراءة الكتب يستطيع أن يتم الكتاب إلى آخره.
ثالثا: لم يأت الكاتب في بحثه بجديد يذكر في هذا الكتاب، باستثناء إفراد هذه الشخصية العربية الغامضة بالبحث والدراسة، ويكفي المرء أن يرجع إلى كتب التواريخ أو السير ويقرأ سيرة المختار دون أن يندم على أنه لم يقرأ هذا الكتاب.
رابعا: لم يحقق الكاتب في الإشكالات الحقيقية المرتبطة بشخصية المختار خصوصا ما تعلق منها بالتهم الثقيلة التي كالها له خصومه ومن بعدهم المؤرخين خصوصا المتعلق منها بالكذب أو إدعاء النبوة أو غيرها.
رابعا: اعتمد المؤلف كثيرا على أقوال المستشرقين في تحليل شخصية المختار ومواقفه دون تحقيق، والأخطر هو أن يعتمد عليهم في ذكر بعض التفاصيل التاريخية مع العلم أنهم إنما استقوها هم أيضا من المصادر التاريخية المتاحة التي يجب الرجوع إليها للتحقق.

حفيظ هروس. 24-09-2018.

الأربعاء، 29 أغسطس 2018

رواية الحدقي لأحمد فال ولد الدين

الحدقي أحمد فال ولد الدين.
        الحدقي رواية تسترجع نَفَس التاريخ من أجل تشريح الواقع وبناء المستقبل، يتداخل فيها التاريخ والحاضر ولا ينفكان، وهو شكل لافت في السرديات التخيلية العالمية التي سكَّت طريقها نحو الأعمال العربية في العقود الأخيرة، ولا أظن مُخيّلة قارئ الحدقي إلا أنها ستجنح به نحو استحضار بعض الكتابات المشاكلة لهذا العمل عند قراءته له، وليس غريبا أنه كان يحضرني باستمرار العمل الباذخ للتركية اليف شافاق "قواعد العشق الأربعين"، وهو العمل الذي أحسب أن كاتب الحدقي "أحمد فال ولد الدين" كان يستلهمه عند كتابته لروايته، وهذا أمر غير مؤكد بل فقط من وحي مخيلتي التي أملت عليّ هذا الاستنتاج الذي يمكن نعته بأنه استنتاج تخييلي، وأضيف إلى ما ذكرته أن الرواية في جانبها الأعم تندرج ضمن الرواية التاريخية التي اجتاحت السوق الأدبية العربية في الآونة الأخيرة ويكفي تتبع قوائم "البوكر العربي" لتدرك مدى الحجم الذي أصبح يحتله هذا الجنس الروائي ضمن السرديات العربية المعاصرة.
        الشخصيتان الرئيسيتان في الرواية هما: أبو عمرو عثمان بن بحر المعروف بالجاحظ لجحوظ عينيه وقيل له أيضا الحدقي ومن هنا اسم الرواية، وهو شخصية تاريخية معتزلية معروفة "صاحب فنون وأدب، وذكاء بيّن" كما يقول الذهبي، هذه الشخصية التي يريد الكاتب أن يستلهم جزء من القيم المرتبطة بها لحاجة الوقت إليها، لذا فهي محور الرواية وعليها تدور، أما الشخصية الثانية فهو القروي صورة الجاحظ ومثله في زماننا، فهو كاتب سيرة الجاحظ في الرواية ومُبرز مُثله في النص والواقع، حيث يغدو النص بنوع من التأويلية الحَرفيّة مَعبرا سالكا نحو الواقع وطموحا جارفا نحو تجسيده.
        أثار الكاتب من خلال هذه الرواية وشخوصها جملة من القضايا المرتبطة بالإنسان والزمان العربيين المعاصرين مثل سطوة التقاليد والأعراف، وتكلس المجتمع الخليجي في جهله واغتراره بماله ورفاهيته، وأنه عند كل مأزق ونهاية يكون ميلاد جديد... وغيرها، لكنني سأخص هنا قضيتين فقط بالمناقشة والتحليل:
        لعل أهم هذه القضايا وأبرز ما في الرواية قضية العربية والعروبة، فالجاحظ العلامة الكبير والأديب البارز يظهر في الرواية كما كان في الواقع باعتباره المدافع عن العرب والعربية الكاره للشعوبية والمناهض لنزقها، في وقت أطلت فيها الشعوبية برأسها واشتدت حركتها، المناوئ لصديقه سهل بن هارون بسبب ممالئته للشعوبيين، فقد كان هذا الأخير شعوبيا يتعصب للعجم ويتعقب مثالب العرب، يُنسب إليه رسالة في البخل كتبها كما يقول البعض نكاية في العرب لاشتهارهم بالكرم، ولعل أغلب الشعوبيين كانوا من أصل فارسي بسبب ضياع الملك والجاه منهم بظهور الإسلام وغلبته كما في بعض المحاورات في الرواية بين الجاحظ وصديقه سهل.
        والشأن نفسه نلقاه في شخصية القروي الذي يوحي اسمه ابتداء بالأصل البدوي حيث معدن العربية وأصلها، وهو يعمل في قناة العروبة مدققا لغويا، يأنف من اللحن ويكره السطحية التي تمثلها الشخصية الخليجية أحسن تمثيل.
        ويأتي إثارة الكاتب لهذه القضية في سياق تراجع المد العروبي والعروبة قيّما ولغة في الواقع العربي:
        فأما القيم العربية التي ينعيها الكاتب كالشهامة والرجولة والأنفة فقد اجتاحها المد المادي والتوسع في الرفاهية التي أغرقت المجتمع الخليجي وأفرغته من محتواه القيمي، فلا شيء يعلو على المال وقيمه، والجاه وسلطانه.
        والشيء نفسه يقال عن اللغة العربية التي توارت إلى الظل ليس فقط في الاستعمال الدارج بين الناس ولكن أيضا في وسائل الإعلام التي لم يعد يهمها أن ترتفع بذوق السامعين إلى سموق العربية وجمالها بقدر ما تحرص على إرضاء ذوق العامة من الناس والوصول إلى أكبر عدد منهم، وهو ما كان يقلق القروي فاستنهض الجاحظ من قبره ليخوض به معاركه ويجدد للعربية عهودها المشرقة.  
        وقصد الكاتب فيما أظن هو أن يعيد للعربية مكانتها وللنَفَس العروبي مجده.
        أما القضية الثانية البارزة في الرواية فهي إحياء النقاشات الفكرية المرتبطة بالفرق الإسلامية خصوصا ما يتعلق بالمعتزلة وتاريخها، ولعلي لا أخطئ القراءة والتأويل إن قلت بأن قصد الرجل مزدوج:
        فهو من جهة يُثمّن التنوع والثراء الفكري الذي كانت تعيشه البصرة أيام الجاحظ حيث كانت الدولة العباسية في قمة مجدها أيام الرشيد والمأمون والمعتصم، وتظهر قوتها في شيئين اثنين:
أولا في التسامح الفكري الكبير الذي كان يطغى على الحياة الفكرية والأدبية آنئذ على العموم حيث تظهر البصرة سوقا كبيرة للأفكار والمذاهب والأديان المتدافعة والمتناظرة لا يحدها إلا الدليل والمعرفة.
وثانيا في الانفتاح الكبير للحضارة الإسلامية على الحضارات المجاورة واهتمامها بالعلم والمعرفة حيث نشطت الترجمة ونفقت أسواقها.
ومن جهة أخرى فهو يَعتب على المعتزلة فرض أرائهم بالقوة على الناس ويغمز الجاحظ من طرف خفي لما كان له دور لا يخفى في محنة علماء أهل السنة حسب متن الرواية.
        كأن الكاتب يتمنى أن تعود للحياة الفكرية في المجتمعات الإسلامية خصوبتها وطراوتها بعيدا عن المواقف "الدوغمائية" الحدية، وفي نفس الوقت يومئ بأنه لا يمكن لهذه الحياة أن تقوم أو تستمر بدون نفَس سياسي قائم على الحرية والاختيار.
        وفي الأخير لي ملاحظة خاصة على لغة الكاتب التي أرى أنه كان يكتنفها التكلف الذي يصل حد التقعر في أحيان كثيرة، ورغم أن أجواء الرواية وسياقاتها العامة تقتضي أن يوظف الكاتب جزء من المعجم الذي كان سائدا زمن الجاحظ فإن استرساله في مواضع كثيرة من روايته في تكلف التعابير وانتقاء الألفاظ يجعل القارئ يخرج من جلده ويشعر بنوع من الاغتراب.

حفيظ هروس 29-08-2018.

السبت، 30 يونيو 2018

الفيلسوف طه عبد الرحمن محاضرا حول موضوع: "الأوامر الإلهية والفلسفة الأخلاقية".

الفيلسوف طه عبد الرحمن محاضرا حول موضوع: "الأوامر الإلهية والفلسفة الأخلاقية".
وذلك يوم الخميس 29 مارس 2017م بكلية أصول الدين بمدينة تطوان.
حفيظ هروس- أستاذ باحث
        افتتح د.طه عبد الرحمن محاضرته بالتذكير بأساسين اثنين يقوم عليهما مشروعه العام، ولهما علاقة وثيقة بموضوع المحاضرة وهما:
-تأكيده المستمر ومنذ الإرهاصات الأولى لمشروعه أواسط السبعينات أن ماهية الإنسان إنما تتحدد أساسا بأخلاقه، وأن الأصل في هذه الأخلاق إنما هو دينه وحيا من ربه.
-اشتغاله منذ مدة غير يسيرة بنقد الفكر المعاصر في المجتمع الغربي الذي يفصل بين الأخلاق والدين أفضى به إلى الخروج من الأخلاق فضلا عن الخروج من الدين نفسه.      
         لكن الجديد يكمن في ظهور تيار فلسفي في الغرب مستقل عن التوجه العام يصل بين الأخلاق والدين ويقرر أن الأخلاق تابعة للدين، وأن إرادة الله هي الأصل في هذه الأخلاق، ناعتا لها بالإرادية الإلهية، وقد برز من هذا التيار فيلسوفان هما: روبر آدمز القائل بالنظرية الأمرية، وفيليب كوين القائل بالنظرية القصدية.
1-النظرية الأمرية عند روبرت آدمز Robert Adams )1937-1997(.
        يعتبر روبرت آدمز أن الإرادة الإلهية عبارة عن أوامر، وأن العلاقة التي تجمعها بالأخلاق هي علاقة مطابقة، أي أن الأوامر الإلهية مطابقة للأفعال الأخلاقية، فالأخلاق هي عين الأوامر الإلهية، وإذا كانت مفاهيم التكليف المرتبطة بالحلال والحرام تؤول عند د.طه إلى استبدالها بمفهومين آخرين هما: المعروف والمنكر فإنه يمكن بيان موقف هذه النظرية من هذين المفهومين كتجليات لمطابقة الأخلاق للأمرية الإلهية على الشكل التالي:
-أن )س( منكر، ف )س( مخالف لأوامر إله ودود.
-وأن )س( معروف، ف )س (موافق لأوامر إله ودود.
ولمزيد بيان لهذه النظرية أبدى فيلسوفنا ملاحظتين اثنتين هما:
-أن المطابقة التي تقول بها النظرية الأمرية ليست تحليلا دلاليا للفظ المنكر وإنما هي بيان لطبيعته وماهيته ذاتها، كما يُطابق عنصرُ الماء صيغتَه الكيمائية، بحيث أن المخالفة للأوامر الإلهية هي التي تحدد ماهية المنكر.
-أن آدمز أدخل قيدا نعتيا في التعريف هو "ودود" واصفا به الإله، تحت تأثير تراثه العقدي، وذلك قصد دفع الشبه والاعتراضات على تعريف سابق له للمنكر دون هذا القيد، وبهذا القيد يصير مستحيلا في حق إله ودود أن يأمر بالمنكر في أي عالم ممكن.
        ثم أورد الأستاذ المحاضر على هذه النظرية انتقادين اثنين عبارة عن آفتين وقعت فيهما النظرية الأمرية هما:
-الآفة الأولى سماها تشبيه الصلة بالله بالاجتماع البشري، ذلك أن المعتقدين الدينيين: التجسيد وخلق الإنسان على صورة الإله حجب الفلاسفة المسيحيين عن تحصيل تصور تنزيهي للألوهية، وتحت تأثير هذين المعتقدين فإن آدمز غالى في تشبيه الأمرية الإلهية بالأمرية الإنسانية بحيث أن علاقة الإله الأمرية بنا هي علاقة ذات طابع اجتماعي صريح.
-الآفة الثانية هي تجزيء الصفات الإلهية، فآدمز لا يعتبر الكمالات الإلهية تنزل منزلة واحدة بل يفرق بين رتبها ولوازمها، ويقدم ثلاث قيم أساسية هي: الود والخير والعدل.
2-النظرية القصدية عند فيليب كوين Philp L. Quinn )1940-2004(.
        يرى هذا الفيلسوف أن النزاع في مسألة المنكر والمعروف ينبغي حسمه لا على مستوى ظاهر الأوامر وإنما على مستوى باطن الإرادة الإلهية التي هي عنده بالذات القصد، وقد بنى نظريته القصدية على تفريقين أساسين هما:
-أحدهما التفريق بين معنيين للقصد: فهناك القصد بالمعنى العام الذي يتجه إلى كل المقاصد الأخلاقية الضرورية وغير الضرورية، وهناك القصد بالمعنى الخاص وهو القصد إلى الفعل مع عدم اعتبار ضده، ولا يتعلق إلا بالمقاصد الضرورية.
-التفريق الثاني، وهو ناتج عن التفريق الأول، حيث ميَّز كوين بين القصد الإلهي السابق والمراد به هو أن يقصد الإله أن يأتي المكلف الفعل ولمّا يمارس المكلف اختياره في إتيان هذا الفعل، والقصد الإلهي اللاحق وهو أن يقصد الإله كل ما يتصل بالفعل بعد ممارسة المكلف لاختياره.
        بعد ذلك يُسند كوين إلى القصد الإلهي صفة أساسية وهي السبب، بحيث أن القصد الإلهي للفعل هو السبب في وجود صفته الأخلاقية، ولذلك:
        فلا وجود للمنكر إلا بوجود القصد الإلهي لتحريمه
        ولا وجود للمعروف إلا بوجود القصد الإلهي لإيجابه.
        وتفاديا لكل لبس ورفعا لكل إشكال أعاد الأستاذ المحاضر صياغة تعريف كوين على النحو التالي:
        إن المنكر عبارة عن الفعل الذي يجعله سابق القصد الإلهي منكرا،
        كما أن المعروف هو عبارة عن الفعل الذي يجعله سابق القصد الإلهي معروفا.
ولمزيد بيان لهذه النظرية أبدى فيلسوفنا بعض الملاحظات في وجوه المفاضلة بين النظرتين:
-أن الأمر الإلهي حسب كوين تابع لقصده، والمتبوع أفضل. فمن المحال أن يأمر الإله بما لا يقصد، بينما قد يقصد الإله ما لا يأمر به. فتبعية الأمر الإلهي لقصده يجعل في الإمكان البرهان على دعاوى تكليفية مقررة لا تستطيع أن تبرهن عليها النظرية الأمرية.
-أن أصحاب النظرية القصدية لا يقسمون الصفات الإلهية بالطريقة التي درج عليها أصحاب النظرية الأمرية بل يعتبرون أن الصفات الإلهية معارضة للصفات الإنسانية لهذا يسمون الصفات الإلهية كمالات بينما يسمون الصفات الإنسانية أخلاقا.
        ثم أورد الأستاذ المحاضر على هذه النظرية انتقادين اثنين عبارة عن آفتين وقعت فيهما النظرية القصدية هما:
-الآفة الأولى وهي تشبيه شؤون الإله الباطنة بالأحوال النفسية للإنسان ناسبة للإله العقل والاعتقاد كما يُنسبان إلى الإنسان، وقد مهدت هذه النظرية السبيل لظهور نظريات أخرى تقول بالحالة الذهنية للإله تشبيها بالحياة الذهنية للإنسان...
-الآفة الثانية وهي تجزيء الأفعال الإلهية بحيث وقعت هذه النظرية في تبعيض الإرادة الإلهية، فالإرادة الإلهية عند كوين وأصحابه تنقسم إلى إرادتين: إرادة تكليف وإرادة تقييم، وكل منهما ينقسم إلى أنواع ونعوت.
3-الفلسفة الائتمانية.
        أمام الاعتراضات والشبهات التي وردت على كل من النظرية الأمرية والنظرية القصدية كان لابد من وجود نظرية أخلاقية جديدة تدفع هذه الشبهات والآفات، وكذلك تفسح المجال واسعا لآفاق فلسفية رحبة لا تتيحها ولا تتسع لها النظريتان السابقتان، هذه النظرية هي الفلسفة الائتمانية، وخصوصية هذه الفلسفة من وجهين:
-الوجه الأول أنها تصل بين روح الدين روح التفلسف:
        فروح التدين عند فيلسوفنا هو الإحسان، ورتبة الإحسان توجب انتقال المكلف من ظاهر الأعمال إلى باطنها محوِّلا هذه الأعمال إلى آيات تكليفية لا مجرد أشكال شرعية.
        أما روح التفلسف فهو عنده -في هذا المقام- هو فعل التفكر، وهو فوق رتبة التفكير، إذ يوجب التفكر انتقال العقل من ظاهر الأشكال إلى باطنها، جاعلا من هذه الأشياء آيات تكوينية لا مجرد ظواهر طبيعية.
-الوجه الثاني أنها تستثمر في الوصول إلى معرفة هذه الآيات التكليفية والآيات التكوينية الدلالات البعيدة للميثاقين الذين أخذهما الله على الإنسان وهما: ميثاق الإشهاد وميثاق الأمانة.
        ثم انتقل الأستاذ المحاضر لبيان خاصية التعريف الائتماني لتبعية الأخلاق للأوامر الإلهية:
        فإذا كانت النظرية الأمرية قد حددت هذه التبعية في كونها علاقة تطابقية، جاعلة المسؤولية الأخلاقية تنشأ عند تلقي الأوامر الإلهية،
        وإذا كانت النظرية القصدية قد جعلت المسؤولية الأخلاقية تنشأ عند تبين القصود الإلهية،
        فإن النظرية الائتمانية تجعلنا ندرك بموجب ميثاق الإيمان أن المسؤولية وقعت على الإنسان قبل تلقي الأوامر الإلهية وقبل تبين القصود وذلك عندما مارس الإنسان اختياره الأول في تحمل الأمانة، فالاختيار هو أساس المسؤولية، وبذلك أصبح الائتمان هو الأصل في تحديد تبعية الأخلاق للأوامر الإلهية، وعليه تقدم الفلسفة الائتمانية تعريفها لكل من المعروف والمنكر على الشكل التالي:
        فالمنكر هو عبارة عن الفعل الذي ائتمَن الإلهُ الإنسانَ على تركه
        والمعروف هو عبارة عن الفعل الذي لم يأتمن الإله الإنسان على تركه.
وتلزم عن هذين التعريفين الائتمانيين نتائج هامة قررها د.طه في خمس هي:
1-أن كل فعل إما مؤتمن على تركه أو غير مؤتمن على تركه.
2-أن الحرام هو المنكر، إذ هو الفعل الذي اؤتمن على تركه، وأن الواجب هو الفعل الذي اؤتمن على عدم تركه.
3-أن الواجب جزء خاص من المعروف لأن الفعل الذي لم يؤتمن على تركه أعم من الفعل الذي اؤتمن على عدم تركه.
4-أن بعض الأفعال يكون معروفا وواجبا معا، إذ ليس فقط أنه لم يؤتمن على تركه بل أيضا اؤتمن على عدم تركه.
5-أن المباح هو عبارة عن الفعل الذي لم يؤتمن على تركه ولا اؤتمن على عدم تركه.
         وهذه النتائج تجعل من النظرية الائتمانية توفي بلوازم النظريتين محل النقاش معا، مع زيادة الالتفات إلى المباح الذي لم يهتموا به، بل أكثر من هذا لا توفي النظرية الائتمانية بلوازم التعريفين فقط بل يستوعب تعريفها لكل من المعروف والمنكر بمضمون الصيغة التعريفية لهما في النظريتين معا، وبيان ذلك على النحو التالي:
        ذلك أن التعريف الأمري يجعل المنكر راجع إلى عصيان الأمر الإلهي، ويجعل المعروف راجع إلى امتثال الأمر الإلهي، بينما الأصل في الائتمان أنه يوجب الامتثال. كما أن التعريف القصدي يجعل المنكر راجعا إلى كون الإله خلق وجوب الترك، ويجعل المعروف راجعا إلى كون الإله خلق وجوب عدم الترك، بينما الأصل في الأمانة أنها عبارة عن أفعال مخلوقة للإنسان بحيث تكون كسبا له إذا كانت معروفا أو اكتسابا عليه إن كانت منكرا.
        ولا يفي التعريف الائتماني بفضائل تعريف النظريتين السابقتين للمنكر والمعروف حسب د.طه بل إن تبعية الأخلاق للأوامر الإلهية تبرز في التعريف الائتماني بما لا تبرز فيه في التعريفين السابقين، وذلك أن هذه التعريفات تختلف باختلاف صور العلاقة بين الطرفين يترتب عليه اختلاف في طبيعة الطرفين:
        فالعلاقة الأمرية تربط بين طرفين هما الحكم الأخلاقي للفعل والأمر الإلهي، فالعلاقة هي بين فعلين، ولما كان هذان الفعلان متطابقين في هذه النظرية لزم عنه أنها علاقة الفعل بنفسه، أما العلاقة القصدية فقد ربطت بين الحكم الأخلاقي للفعل وبين ذات فاعلة هو الآمر الناهي، فهي علاقة بين ذات وفعلها، بينما في العلاقة الائتمانية نجد العلاقة هي بين مؤتمِن ومؤتمَن، فهي علاقة بين ذاتين: الذات الإلهية الآمرة والذات الإنسانية الطائعة، وبهذا تفضل الفلسفة الائتمانية على النظريتين السابقين ومما يُظهر ذلك:
-أن منزلة الذات تعلو منزلة الفعل.
-فضل معرفة الآمر على معرفة الأمر: ذلك أن النظرية الأمرية لا تهتم إلا بالأفعال، والنظرية القصدية لا تهتم إلا بالقصود، أما النظرية الائتمانية فبموجب وصلها بين الذاتين الإلهية والإنسانية تعتبر أن الذات الإنسانية تحتاج في إتيان أفعالها إلى معرفة الذات الإلهية التي ائتمنتها على هذه الأفعال.
-فضل التعامل الشهودي على التعامل الغيابي: ذلك أن التعامل في النظرية الأمرية لا تحضر فيه إلا الأفعال وتغيب فيه الذات الإلهية وذات الإنسان فيكون تعاملا غيابيا كليا، كما أن التعامل في النظرية القصدية لا تحضر فيها إلا الذات الإلهية وتغيب فيه ذات الإنسان فيكون تعاملا غيابيا جزئيا، بينما التعامل في النظرية الائتمانية تحضر فيه الذاتان معا: الذات الإلهية والذات الإنسانية باعتبارهما ذاتين فاعلتين، فيكون هذا التعامل تعامل شهودي صريح.
         وبناء على هذا الفضل الذي تتمتع به الفلسفة الائتمانية يمكن اعتبار التبعية الائتمانية هي الأصل الذي تتفرع عنه كل من التبعية الأمرية والتبعية القصدية بطريق التجريد أو طريق الانتزاع، بحيث أن التبعية الأمرية انتزعت الأفعال من الذاتين الإلهية والإنسانية بينما التبعية القصدية انتزعت الأفعال من الذات الإنسانية.
        بعد ذلك انبرى الفيلسوف طه عبد الرحمن للرد على الآفات التي وقعت فيها النظريتان معا:
-النظرية الائتمانية تنزه الإله تنزيها مطلقا، لأن القول بالتشبيه نقص في العقلانية والقول بالتنزيه تحقق بها، فلا أقدر على التنزيه من النظرية الائتمانية لأنها تتأسس على ميثاق الإشهاد، وترفض التشَّبُه بالإله الذي توسلت النظريتان السالفتان وتقول في المقابل بالتقرب الذي يؤدي إلى اكتساب فضائل وإن شابهت أسماؤها الصفات الإلهية فإنها تبقى تباينها مباينة مطلقة.
-النظرية الائتمانية تنفي أن يحصل التقرب بغير الأوامر الإلهية لأن هذه الأوامر محبوبة للإله.
-القيم التي تنطوي عليها الأوامر الإلهية مأخوذة من الصفات الإلهية، بحيث أن الصفات الإلهية هي أصل كل القيم. كما أن الفطرة الإنسانية تحمل قدرا معتبَرا من هذه القيم الصفاتية فجاءت الأوامر الإلهية على وفقها، بحيث لا يأمر الإله إلا بما يوافق صفاته الحسنى.  
-أن النظرية الائتمانية ترجع إلى الاختيار الأصلي في تحديد المسؤولية والذي كان قبل الأوامر وقبل تبين القصود.
-كون النظرية الائتمانية تقر بالشهود بمعنى الحضور مع الحضور، لأنها ترى أن العلاقة الأصلية بالإله ليس منشؤها ظاهر العالم الذي يستغني بالأوامر المسموعة وإنما هو باطن العالم الذي لا تؤويه إلا القصود المشهودة، أي عالم الملكوت حيث حصّل الإنسان القصد الأول وكذلك حصّل الشهود الأول.
-ثم هناك مسألة علاقة الأمر بالواجب: هل الفعل واجب لأن الإله أمر به أم أن الإله أمر به لأنه واجب، فإذا كانت النظريتان قد تخبطتا في مناقشة هذا الإشكال الفلسفي إذ تفرقان بين الجانب التكليفي والجانب التقييمي بشكل تعسفي فإن النظرية الائتمانية لأخذها بالميثاقين فإنه يزودها بمنظورين متكاملين هما:
·  المنظور الإشهادي الذي يزودنا به الميثاق الإشهادي، وهو منظور شهود الإنسان لصفات الإله، وهذا المنظور هو الذي ورَّثه القيم وحملها في فطرته.
·  المنظور الائتماني الذي يزودنا به الميثاق الائتماني، وهو منظور شهود الإنسان للأوامر الإلهية، وهذا الشهود هو الذي يقفه على الأوامر الموافقة لهذه القيم. وقد أشار الأستاذ المحاضر أنه بسط الكلام في ذلك في كتابه "دين الحياء".
        وجوابا على الإشكال المطروح فإن الفلسفة الائتمانية تجيز للمكلف أن يتوسل بأحد المنظورين الملكوتيين في التعامل مع المنظور الآخر، فمتى توسل المكلف بالمنظور الائتماني في التعامل مع المنظور الإشهادي صار إلى تقديم الأمر التكليفي على القيمة الأخلاقية، أما إذا توسل بالمنظور الإشهادي في التعامل مع المنظور الائتماني صار إلى تقديم القيمة الأخلاقية على الأمر التكليفي. كما أن هذه النظرية تقدر على أن تفسر أن التعامل بأحد  هذين المنظورين لا يكون ناتجا عن غفلة أو نسيان وإنما يكون نتيجة ارتقاء في مراتب الإيمان، كالمتمسك بالمنظور الائتماني تحققا بوصف العبدية، أو المتمسك بالمنظور الإشهادي تحققا بوصف الحرية، والعبدية والحرية هنا وجهان لحقيقة واحدة وهي أن المكلف لم يعد قائما بنفسه وإنما قائم بربه.


الخميس، 3 مايو 2018

شعر الفقهاء بين ابن خلدون وعبد الله كنون.
      قرض الكثير من الفقهاء وأمثالهم من العلماء في تخصصات شتى كاللغويين والمتكلمين الشعر، ونظموا الكثير من القصائد والمقطّعات، وقد استعملوا الشعر والقريض لأغراض كثيرة، فبالإضافة إلى كونهم اعتبروه وسيلة تعليمية فكتبوا المنظومات المختلفة قصد تقريب العلم إلى التلاميذ والطلاب، وتسهيل حفظ مسائله وتذكر قواعده، أو عقدوا أشعارهم في بعض الأحاديث والآثار من مثل ما جمعه السيوطي في جزء خاص سماه "الازدهار في ما عقده الشعراء من الأحاديث والآثار" وغيره، فإنهم أيضا لامسوا الأغراض الشعرية الخالصة في أشعارهم كالنسيب والمدح والفخر والرثاء وغيرها، لكن الكثير من النقاد شغبوا عليهم، ولمزوا شعرهم بالضعف ورموا عملهم بكل نقيصة، وعبارة ابن بسام مشهورة في الباب: "إن شعر العلماء ليس فيه بارقة تسام"، لكنني خصصت الكلام هنا عن العلامة عبد الرحمن بن خلدون لقوة عارضته في التعليل، وقدرته على فتق أسباب ذلك والإبانة عن المقصود، لهذا اتخذ كلامَه مرجعا كلُ من طرق الموضوع بعده سواء بالنقد أو التأييد، كما أنه يظهر لنا وجها آخر من وجوه إبداع ابن خلدون في النقد والتحقيق باعتباره هذه المرة ناقدا أدبيا رفيعا.
       يقول ابن خلدون "كان الفقهاء وأهل العلوم كلهم قاصرين عن البلاغة" لهذا غالبا ما نجد شعرهم "ممن لم يمتلئ من حفظ النقي الحر من كلام العرب" (المقدمة 496). ثم ذكر قصة مشهورة أصبحت مرجعا في الباب، مفادها أن أبا القاسم بن رضوان أنشد قصيدة لابن النحوي على أبي العباس الجزنائي كاتب السلطان أبي الحسن المريني دون أن ينسبها له ومطلعها:
      لم أدرِ حين وقفت بالأطلال **  ما الفرقُ بين جديدها والبالي.
      فقال له على البديهة: "هذا شعر فقيه" فقلت له" من أين لك ذلك؟ قال من قوله: "ما الفرق، إذ هي من عبارات الفقهاء، وليست من أساليب كلام العرب". (المقدمة 496).
      ومحصّل تفسير ابن خلدون لهذا الضعف المتأصل في الفقهاء في باب الشعر هو ما سبق إلى محفوظهم من "القوانين العلمية والعبارات الفقهية الخارجة عن أسلوب البلاغة والنازلة عن الطبقة"، بحيث كلما تمكنت منهم اللغة الفقهية الصناعية في أول أمرهم قصرت بهم عن تحصيل ملكة البلاغة ورعاية الأساليب التي اختصت العرب بها الشعرَ واستعملتها فيه. (المقدمة 489)، ويقصد بهذه الأساليب "هيئة ترسخ في النفس من تتبع التراكيب في شعر العرب لجريانها على اللسان حتى تستحكم صورته" (المقدمة 491) أو قل هو "المنوال الذي تُنسج فيه التراكيب" (المقدمة 489)، ومَردّ إدراك هذا التعليل هو ربطه بمذهبه في تفسير الكثير من الظواهر الإنسانية مثل تعلم العلوم واللغات والصناعات المبني عنده على قاعدة ذهبية وهي "أن الملكة إذا تقدمت في صناعة بمحل، فقلّ أن يجيد صاحبها ملكة في صناعة أخرى" (المقدمة ص468)، وأمر آخر يجب الانتباه إليه ليتسنى لنا فهم وإدراك حكم ابن خلدون على شعر العلماء والفقهاء وهو مفهوم الشعر عند الرجل، فهو عنده ليس مجرد كلام موزون مقفى كما درج النقاد القدماء على تعريفه بل هو بالإضافة إلى ذلك "الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف... الجاري على أساليب العرب المخصوصة به" (المقدمة 492) وعليه فليس كل ما كان من الكلام منظوما يسمى شعرا بل شرطه أن يجري على أساليب العرب الشعرية وإلا كان نظما. 
      لكن رأي ابن خلدون لم يكن مسلما دائما، فرغم أن الكثير من المترجمين وأصحاب الطبقات المختلفة والعديد من النقاد كانوا يغمزون شعر الفقهاء من طرف خفي عندما كانوا ينعتونه في تراجم وسير هؤلاء بقولهم "هذا شعر فقيه" كما فعل صاحبنا الجزنائي فإن هناك آخرين عارضوا الأمر وبادروا إلى إثبات خفة هذا الحكم وبطلانه، فألفوا المطولات لتفنيد هذا الرأي مثل كتاب حسني ناعسة "شعر الفقهاء: نشأته وتطوره حتى نهاية العصر العباسي الأول"، وكتبوا الرسائل الجامعية التي خصصوها بفترة زمنية معينة أو جهة جغرافية محددة، بل وأنتجوا البرامج الإذاعية مثل البرنامج الماتع "فقهاء أدباء" للدكتور عادل باناعمة وغيرها، لكنني خصصت الحديث هنا عن صنيع عبد الله كنون في كتابه "أدب الفقهاء" لأنه فقيه وأديب شاعر جمع بين الشأنين فرُدَّت على الأمر أقاصيه كما يقولون.
      كتب عبد الله كنون كتابه المذكور لإنصاف شعر الفقهاء والمحاماة عنه، وقصده البعيد هو أن تستوعب الدراسات الأدبية هذا النوع من الأدب والشعر وألاَّ تظل حكرا على المنتخبات المعروفة والأسماء الرسمية. (أدب الفقهاء 4)، كما أنه يشير إلى أن الشاعرية تحتاج إلى الملكة "وهي الاستعداد النفسي الذي ينميه الحفظ وتصقله الممارسة" (أدب الفقهاء 8)، وهي عنده غير الذوق الذي هو معيار النقد، وعليه فليس كل ناقد للشعر شاعرا كما أنه ليس كل ناقد للأدب أديبا، لكن هذا لا يعني أنه لا يوجد من يجمع بينهما مثلما لا يعد غريبا أن يجمع المرء بين الفقه والشعر، لهذا لم يكن مستحسنا من الجزنائي أن يَسم شعر ابن النحوي بأنه "شعر فقيه" لمجرد كلمة وردت فيه، وعليه ف"الحكم الصائب في هذه المسألة هو أن المدار على وضع الكلمة أو المصطلح في الجملة أو الفقرة التي تتضمنها، فإن كان ذلك مما لعب فيه الذوق النفسي دوره وأداه بعناية كان مقبولا ومستحسنا وإلا بأن تقلقلت العبارة وضاقت باللفظة المقتبسة فإن من حق الناقد أن يدين الأثر الأدبي الذي يقع في هذا المحظور" (أدب الفقهاء 13).
       بعد ذلك توسع الرجل في إيراد الأدلة المختلفة، وسوق الشواهد المتعدد على شاعرية الفقهاء في الأغراض الشعرية المعروفة أو فيما تميز به الفقهاء وقلَّ نظيره عند المطبوعين من الشعراء. ومن الأدلة التي أوردها في مرافعاته منها ما ناقض بها استدلال ابن خلدون واستنتاجاته في المسألة:
-فقد استدل على نقد كلمة الجزنائي  بشعر أبي الطيب المتنبي الذي يعتبره "شاعر العرب الأكبر"، وبيّن كيف أن سموق شاعرية المتنبي وفحولته لم تمنعه من إيراد بعد الكلمات في شعره التي قد تفهم على أنها من عبارات الفقهاء واصطلاحات النحاة، لكن هذا الدليل لا يفت من عضد دعوى ابن خلدون ولا ينقضها لأنه لا يعتبر نظم المتنبي ومثله نظم أبي العلاء المعري من الشعر في شيء "لأنهما لم يجريا على أساليب العرب" (المقدمة 492)، والغريب أن هذا ليس حكم ابن خلدون وحده بل هو رأي نقله عن شيوخه في الصناعة الأدبية الذين كانوا "يعيبون شعر المتنبي والمعري بعدم النسج على الأساليب العربية.. فكان شعرهما كلاما منظوما نازلا عن طبقة الشعر" (المقدمة 493) ودليلهم الحاكم في ذلك هو الذوق.
-وكذلك استدلاله بالربانيات والنبويات التي أبدع فيها الفقهاء وجاءوا فيها بما لم تأت الأوائل من الشعراء ولا الأواخر وخصوصا ما يسميه صاحبنا بشعر السيّر الذي جاء أقرب ما يكون إلى الشعر القصصي كبردى البصيري وهمزيته "فإنها وإن كانت تعتمد المادة التاريخية في مضمونها، لا تألو جهدا في استخدام الخيال وتجسيم الصور وإثارة العواطف" ثم إن "هذا اللون الطريف من أدب الفقهاء يكون بابا من الشعر لم يطرقه غيرهم من الأدباء" (أدب الفقهاء 16)، لكن رأي ابن خلدون في هذا اللون من الشعر مناقض لما ذهب إليه كنون، ذلك أن من معايير نزول الشعر عن مرتبة البلاغة عنده أن يطرق فيه الشاعر المعاني المبتذلة والألفاظ المتداولة كما هو الشأن في الربانيات والنبويّات التي لا يحذق فيها إلا الفحول. (المقدمة 493)
      وعليه فإننا نميل من جهة النظرية إلى رأي كنون في أن العبرة بحضور الملكة في الشعر سواء كان قائله فقيها أو غير فقيه ولا يمكن الغض من مكانة الشعر لمجرد أن قائله فقيه لأنه حكم تنفر منه الطباع السليمة والذوق الرفيع، لكن ملاحظة ابن خلدون من الناحية الواقعية كانت ثاقبة لأن أغلب أشعار الفقهاء لا كلها فقيرة من حيث الصور الشعرية والإيقاع الموسيقي ورسوم البلاغة العربية، وذلك لأن معظم شعرهم استهلكته موضوعات الحكمة والأخلاق وأغراض التعليم.
      وفي الأخير لا يسعنا إلا أن نردد مع الزهاوي :
      إذا الشعر لم يهززك عند سماعه ** فليس خليقا بأن يقال له شعر.
حفيظ هروس 3/5/2018