الخميس، 5 مارس 2015

كتاب الموتى الإسلامي: بدء الخلق عبد الرحمان الكيحال عرض ومناقشة. إنجاز: حفيظ هروس

كتاب الموتى الإسلامي: بدء الخلق
عبد الرحمان الكيحال
عرض ومناقشة.
إنجاز: حفيظ هروس
1
      يعتبر الموت من الانشغالات المؤرقة التي لازمت الوجود الإنساني ورافقت وعيه منذ الحضور الأول لسؤاله الوجودي الذي انبثق مع قلقه المبكر: من أتيت؟ وإلى أين المصير؟، لهذا لم يكن مستغربا قط أن يكون بحث هذا الموضوع من الإرهاصات الأولى لتفتق الوعي الديني والأسطوري على حد سواء.
      وقد بحث الموضوعَ كتاباتُ شتى ومن جوانب مختلفة دينية وفلسفية وأدبية، لكن ما يميز الكتاب الذي بين أيدينا هو المقاربة الشمولية للموضوع، فالمؤلف لا يتقصد البتة قصر حديثه عن التصور الإسلامي للموت فقط  كما قد يوهم العنوان بذلك "كتاب الموتى الإسلامي"، وإنما غرضه الأساس طرق السؤال الوجودي السالف الذكر في امتداداته وأبعاده المتعددة، لهذا قيَّد الكاتب العنوان بعبارة أخرى هي"بدء الخلق" والتي يحدد معناها كالآتي: "مفهوم بدء الخلق في الإسلام يراد به رحلة الإنسان من البدء إلى المصير"[1]، مستندا إلى حديث نبوي شريف رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم مقاما فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه" أخرجه البخاري[2].
      والكتاب من خلال فهرسه يعكس هذا التوسع المذكور، فهو موزع على ستة أبواب كل واحدة منها تعالج مرحلة أو طورا من أطوار الخلق، وهي: كتاب النفس، كتاب التكوين،  كتاب خلق آدم، كتاب الموتة الأولى، كتاب العيش بعد الموت، كتاب النشور، كتاب المصير.
       وفهم الكاتب لأطوار الخلق لا يسير في شكل خطي متتابع للزمن كما هو شائع، بل يتصوره في شكل دائري متزامن، بحيث يمكن لمرحلتين أو أكثر أن تتزامنا، وهو ما عبر عنه بقوله: "ومعلوم أن هذه الأحوال تتواجد في وقت واحد... فنحن أمام حركة أطوار وليست حركة تطور"[3]. ومما يسَّر له هذا الفهم الحديث الذي رواه أبو بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم..."[4]
2                                                                                                     
      تناول المؤلف مباحث الكتاب بطريقة موسوعية واضحة واستند إلى منهج المقارنة التحليلي، فقد حاول تجميع أراء السابقين واللاحقين في الموضوع ومن ثمَّ عمل على تحليلها ومناقشتها في ضوء التصور الإسلامي، لهذا جنح إلى تسمية كتابه بالدليل بدل الكتاب، يقول: "لهذا سأسميه دليلا وليس كتابا"[5].
      ففي كل قضية يستعرض أقوال وأراء الفلسفات والأديان والمذاهب المختلفة ثم يُعمل فيها مبضع التشريح والتحليل، ولهذا المنهج فوائد عدة منها:
-فتح منافذ جديدة للرؤية أمام القارئ للاطلاع على التصورات المختلفة لهذه القضايا الشائكة وألا يظل حبيس أطروحات محددة غالبا ما يتعصب في الدفاع عنها أو يلجأ إلى محاكمة التصورات المخالفة دون سند علمي، إذ من المعلوم أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
-المنهج المقارِن بين الآراء والمعتقدات يتيح إمكانية البحث عن المشترك الإنساني الذي يرمي إلى رأب الصدع وتقريب الشقة، لكنه في نفس الوقت يؤكد الخصوصيات الدينية والمعرفية لتصور ما، اعتبارا للسياقات التاريخية والمعرفية التي أنتجته، كما أنه يساعد على فرز الأقوال وانتقاء الأصح.
      لكن الموسوعية منهجا في التناول والعرض لها جانبها السلبي أيضا، إذ مما لا شك فيه أن كاتبنا قد تطَّوح في الكثير من الاستطرادات التي لم تكن ضرورية لمعالجة قضية ما، أو قد تكون من الفائض الذي يمكن الاستغناء عنه، أو من الإطناب الذي لا حاجة إليه. ومن أمثلة ذلك:
-بيان سمات الديانة المصرية القديمة في معرض حديثه عن مفهوم "النفس عند قدماء المصريين"، إذ لم تدع الضرورة هنا إطلاقا إلى هذا الاستطراد، وكان يمكنه أن يكتفي بمعالجة القضية موضوع الدرس والتحليل وهي النفس.
-ذكر مبادئ الفلسفة الهرمسية السبعة عند حديثه عن "أول ما خلق الله" ومن ضمنهم العقل، لكن الحاجة لا تدعو إلى هذا الاستطراد إذ يكفي ذكر المشابهة بين الحديث النبوي[6] موضوع الدرس وبين الفلسفة الهرمسية دون الانجرار لذكر المبادئ التي لا صلة لها بالموضوع.
-عقد الرجل في باب "كتاب المصير" العديد من الفقرات التي لا تظهر صلتها بالموضوع، وذلك من قبيل "العلم والمعرفة" و"المهمة والغاية" و"الإيمان والإسلام" و"الكفر والتكفير"، وقد استشعر الكاتب نفسه هذا الحرج بعد أن أطال في مناقشة هذه القضايا العويصة فقال معلقا على ذلك: "قد يقول قائل لما الخوض في أمور جانبية قد تضر أكثر من أن تنفع المسلمين؟"[7].
      ورغم أن الكاتب حاول تبرير صنيعه ذلك، فإنه لم يبدو مقنعا من وجهة نظر بحث أكاديمية صرفة وإن كان له عذره على مستوى التجربة الشخصية، وهذا يقودنا حتما إلى بيان تحرره النسبي من البحث الأكاديمي بالطريقة الكلاسيكية المتعارف عليها، والسبب أن الأستاذ عبد الرحمان لا يعتبر نفسه كاتبا بالمعنى الحِرَفي للكلمة لهذا وسم كتابه بالدليل ووقع غلافه ب: إعداد: عبد الرحمان الكيحال وقال في بيان ذلك: "لست كاتبا حتى أسميه كتابا"[8]. كما أنه أقر بإمكانية وجود صعوبة لدى القارئ إذ أن "الترتيب الموضوعي لهذه الكتب، كذا المنهجية المعتمدة قد لا تروق أو تكون منتقدة، ويشفع لي عند القارئ الإكراه الذي يرافق تبسيط المعقد وتقريب المستبعد، وأنه يتلقى ممن لا يحترف الكتابة ولا حتى هو هاو لها"[9]، فالكتاب أقرب إلى "تجربة تأملية" في بحث السؤال الوجودي منه إلى البحث الأكاديمي بالمعنى الحَرْفي.
3
      الكاتب صاحب رسالة ومقصد، يسهل على القارئ أن يدرك ذلك ويستشفه بين ثنايا الكتاب، والكاتب نفسه يصرح بذلك أكثر من مرة ، فهو يعتبر نفسه بدون مواربة شخصا له "مُثل وقيم يؤمن بها"[10] ورغم أن هذه المبادئ قد طرأ عليها الكثير من التغييرات وتمَّ استبدالها بما ظهر له أنه أسلم وأصلح، فإنه ظل حريصا على العناية بالآراء التي توافق تصوره دون غيرها، ورغم اعترافه بأن هذا المسلك شائن عند المثقفين فإنه يتخطاه ليوجه خطابه "لجيل الأبناء الذين هم في بداية تجربة الحياة عسى أن يوفر لهم آلية لاجتياز المراحل في وقت أقل"[11]، حتى لا يكرروا نفس الأخطاء التي وقع فيها جيل الكاتب، خصوصا وأنه يعتبر هذا العصر عصر الدجل بامتياز: "الدجل في السياسة، الدجل في الإعلام، والدجل في العلم، والدجل في الدين، والدجل الذي يحيط من كل الجهات...".
      وقد تأثر الكاتب بوضوح في هذا المنحى بشخصيتين بارزتين طبعتا حياته بآثار بيِّنة كما هو واضح في الكتاب، الأول منهما هو د.مصطفى محمود الذي تتشابه حياته مع حياة الكاتب "فكلانا انطلق من الشك"[12]، كما أنه "تمكن في رحلته من الشك إلى الإيمان أن يجتازها بنجاح وسط جيل مفتون"[13]، أما الشخصية الثانية فهي شخصية هرمس المرتبطة بالحكمة والتي ستلهم صاحبنا السبيل للوصول إلى الحق عبر "الجهد الروحي في التأمل المستمر للوصول إلى معرفة الإله الواحد"[14].
4
      منهج "المقارنة التحليلي" الذي اتكأ عليه الأستاذ عبد الرحمان الكيحال في بحث وتحرير قضايا الكتاب اعتمد آليتين اثنتين: أولاهما نقلية والأخرى عقلية.
      فأما الجانب النقلي فإن تعويله الكلي كان على الوحي، وهو يؤكد أن الحق متعلق به وحده، إذ لا عاصم من طوفان الضلال والانحراف إلا به، يقول: "الوجهة التي أنا متأكد من أحقيتها هي الوحي ولا يوجد في هذه الحياة الدنيا ما يمكن اعتباره حقا غيره"[15]، كما أن الحيرة والغموض اللذين يعترضا فهم الإنسان لا يمكن رفعهما إلا بالعودة إلى القرآن والسنة "الرجوع إلى الكتاب والسنة يجلّي اللَّبس وينشر في القلب الطمأنينة"[16]. والسبب الذي حدا به إلى الاعتماد الكلي على الوحي هو صعوبة الركون إلى التفسيرات العلمية لبدء الخلق بمفهومه الشامل نظرا لقصور العلم عن إدراك الحقائق الغيبية وكذلك القلق المصاحب للنظريات العلمية التي تبقى مفتوحة على التعديل أو الإلغاء بصفة مستمرة، لهذا فهو يحسم الأمر بقوله: "ليس من الممكن معرفة البدايات الأولى للخلق اعتمادا على العلم"[17].
      ومن أهم تجليات توظيف آلية النقل في مناقشة قضايا الكتاب يمكننا أن نضع الأصبع على فهم أسرار الكون والخلق في ضوء القرآن الكريم، فبالرجوع إلى باب "كتاب التكوين" سيجد القارئ أن الكاتب حشد عشرات النصوص من القرآن والحديث التي حاول توظيفها لفهم الأسرار والتفاصيل المتعلقة بنشوء الكون في بداياته الأولى. وكذلك نجده يحاكم النظريات التفسيرية للظواهر الغيبية في ضوء الوحي مثل فهم نظرية التقمص في ضوء القرآن والسنة، فبعد استعراضه للخطوط العامة التي تحاول أن تعطي تفسيرا معينا للبعث والنشور فإنه يتعقبها قائلا: "لنستنطق المرجعية من الكتاب والسنة"[18]، بحيث يحاول أن يضفي تفسيرا صحيحا على نظرية التذكر من التراث الإسلامي بعيدا عن شطط المغالاة في قبول النظريات الغريبة التي يبقى إيرادها من باب المقارنة والتوضيح ليس إلا، والأمثلة على هذا النحو كثيرة.
       ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الباب أيضا أن توظيف هذه الآلية كان محكوما عند الكاتب بعدة قواعد علمية صارمة ولم يكن استخدامها اعتباطيا من باب حشد النصوص فقط، ومن أهم هذه القواعد:
-تفسير القرآن بالقرآن نفسه، ففي معرض تفسيره لمعنى الخلافة الوارد في قوله تعالى ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ فسرها بقوله: "والخلافة يراد بها الحكم والسلطان أي المسؤولية عن الغير، لا المسؤولية الذاتية... على منوال قوله تعالى ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله﴾[19].
-فهم الحديث في ضوء القرآن الكريم، ففي معرض مناقشته لحديث الصور الطويل بعد أن أورده بطوله علق عليه قائلا: "لذا سنعتمده لتبيان تلاحق الأحداث.. معتمدين على ما ورد من أخبار ومدى مطابقتها لما ورد في كتاب الله" [20]. ويقول في موضع آخر "الذي يستوجب اللوم ويستوجب الاستبعاد... أن يُفهم من رسول اله صلى الله عليه وسلم ما يتعارض ولا يتفق مع الكتاب"[21].
-الاعتماد على السياق في تحديد معاني القرآن الكريم ومحاولة تأويل دلالاته المتشابهة، وهي قاعدة يقررها بوضوح  إذ يقول"عند تناول الآيات المتشابهات في القرآن الحكيم، يكون من المفيد عدم فصل الآية عن السياق الذي وردت فيه، كما أن تتبع مثاني الآية التي يعتقد أنها متشابهة من شأنه زيادة التوضيح"[22]، أما تطبيقات هذه القاعدة في الكتاب فهي أكثر من أن تحصى.
5
      من صور الاعتماد على آلية النقل في الكتاب الرجوع بكثرة إلى الكتب السماوية السابقة سواء العهد القديم منها أو العهد الجديد، ومن ذلك أنه عقد فصولا كاملة في كتابه تعالج قضية بعينها من وجهة نظر الكتب السماوية السابقة ومن ذلك: "النفس عند أهل الكتاب" "بدء الخلق في تراجم التوراة"، أما على مستوى التفاصيل المتعلقة بالموضوعات الأخرى فهي كثيرة.
      والكاتب يضع قيودا لقبول مرويات أهل الكتاب، ومن ذلك تصريحه بأن: ".. الترجمات المتكررة من لغة إلى أخرى وتحريف الكلم عن مواضعه... أوجد كثيرا من التناقض في النصوص المقدسة.. مع ذلك يمكن للباحث عن الحقيقة بالمقارنات واستقراء الأمور مع الكتاب المحفوظ أن يخلص إلى نتائج موثوقة"[23]، ولكنه يميل أحيانا إلى قبول الروايات الإسرائيلية وتصديقها وتفسير الكثير من الآيات والأحاديث بها، الشيء الذي أدى به إلى الانزلاق إلى قبول بعض الروايات الغريبة جدا، ومن أمثلة ذلك لما أورد حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن طول آدم الوارد في البخاري ومسلم: "خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعا.."[24]، وهو حديث مشكل اختلف العلماء في تفسيره، تحدث على أن الملاءمة تستدعي وجود حيوانات ضخمة ونباتات شاهقة بما يتناسب مع هيئة الإنسان الأول، واستدل على ذلك بنصوص من سفر التكوين التي تؤكد هذا الأمر، والأغرب من ذلك هو حديثه عن وجود "عمالقة جبابرة" في هذه الفترة بلغ طولهم حدا لا يصدق استنادا إلى العديد من النصوص التوراتية، وهو نفسه يستشكل عدم مطابقة الحفريات والدراسات الأركيولوجية لهذا الأمر لكن جوابه على استشكاله لم يكن مقنعا، فهو يعتبر أن الإقرار بهذه الحقائق سيؤدي حتما إلى هدم الحقائق العلمية الرسمية جميعها، ولا أظن أن الأمر كذلك.
     
6
      ومن بين أهم الإشكالات الأخرى التي يمكن أن تثار بوجه آلية النقل بالطريقة التي وظفها بها كاتبنا نجد التوسع غير المحمود في اعتماد الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ورغم اعترافه في أكثر من موضع بأن الحديث ضعيف أو فيه مقال فإنه يورده ويحتج به، ومن ذلك قوله عن الحديث الذي أخرجه ابن أبي شيبة عن زُبيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أصبحت يا حارث ابن مالك..." قال عنه"حتى وإن ضعف سنده فالمهم معناه"[25]، كما أننا نجده يبني استنتاجات كبيرة وأحكام خطيرة على أحاديث فيها الكثير من الخلاف والجدل ومن ذلك مثلا حديث "أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر..." إذ اكتفى بعزوه إلى كتاب كشف الخفاء للإمام العجلوني الذي قال: "رواه عبد الرزاق بسنده عن جابر بن عبد الله"[26]، ثم قال بعد ذلك: "فإن ثبت حديث النور المحمدي رغم التجاذب المذهبي، الذي لا أرى له ما يلزم إذ هو نور منه خلقنا جميعا والأصح خُلق منه كل شيء"[27] بل أكثر من ذلك فإنه يعتمده في ترتيب الموجودات، يقول: "بالرجوع إلى حديث النور المحمدي، يكون ترتيب الموجودات كما يلي: النور المحمدي ثم القلم ثم اللوح ثم العرش ثم حملة العرش..."[28]، ولكنه لو بذل مجهودا إضافيا لعلم أن الحديث موضوع لا أصل له، أنكره الكثير من الصوفية أنفسهم منهم الشيخ عبد الله بن الصديق رحمه الله المعروف بتوجهه الصوفي الذي ألف رسالة لإبطال الحديث سماها "مرشد الحائر لبيان وضع حديث جابر" يقول فيها: "وبالجملة فالحديث منكر موضوع لا أصل له في شيء من كتب السنة"، بل الأدهى من ذلك أن عزوه لعبد الرزاق مجرد وهم لا أساس له من الصحة، يقول السيد عبد الله: "وعزوه إلى رواية عبد الرزاق خطأ، لأنه لا يوجد في مصنفه ولا جامعه ولا تفسيره"[29].
7
وأما الجانب العقلي فيتبدى في صورتين اثنتين هما:
أولا: النَفَسُ الاجتهادي في تقرير المفاهيم وعدم الركون إلى المألوف والمتداول دون تحرير ولا تمحيص بل إنه تعقب الكثير من المسلمات بالنقد والتفنيد، فهو يرى أنه مطلوب في حق العلماء وكذلك العامة التحقق من الأقوال والآراء قبل التسليم بها إذ أنه "من واجب من يتوارث العلم أن يحقق ويتحقق ولا يركن لجاهزية الأحكام، وليست العامة في حِل من هذه النقيصة..."[30] أي نقيصة عدم التثبت.
      ولعل أهم المفاهيم التي عمل على دراستها هي مفهوم النفس، والتمييز بينها وبين الروح وتفسير الخلط الشائن الذي وقع فيه الكثير من العلماء ورواة الحديث، فبعض أن استعرض أراء الفلسفات والأديان والحضارات السابقة توصل إلى التعقيدات المحيطة بالموضوع فعلّق قائلا: "عسى الباحث عن كنه النفس والروح فيما سطر الأولون والآخرون لن يسعفه اليقين"[31] لهذا حاول أن يعرض الأمر على الوحي تماشيا مع منهجه الذي أشرنا إليه سابقا بحيث يعتبر أن "الموضوع ليس من إفراز فكر بل هو من إخبار وحي"[32].
      وإذا كان القرآن قد ميز بوضوح بين النفس والروح فإن الأحاديث قد وقع فيها خلط شديد بحيث استعمِلت النفس بمعنى الروح والسبب في ذلك هو توهم الرواة الذين رووا الأحاديث بالمعنى دون إدراك الفرق بين الأمرين وهو خلط ملاحظ في الاستعمال اللغوي أيضا، وهو ناتج عن أن العرب كانت تخلط بين النفس والروح منذ الجاهلية.
      ومن أهم الفروق التي توصل إليها الرجل بين الروح والنفس نجد:
-كون الروح هي ذلك الأمر الرباني الذي نفخ من طرف رب العزة في حالة خلق آدم أو حالة خلق عيسى عليه السلام وهي تنتمي إلى عالم الأمر، أما النفس فهي خلق كباقي خلق الله حتى وإن لم تكن مادية بالصفة التي نعرف وهي تنتمي إلى عالم الخلق[33].
-الروح لا يعرف لها انفصال عن البدن إلا بعد الموت بينما النفس تتصل وتنفصل عنه بشكل طبيعي أو بمسببات غير طبيعية دون أن يقع خلل في الجسم بالضرورة[34].
-كون الروح يصعد بها إلى السماء بعد الموت سواء كان الشخص مؤمنا أو كافرا، بينما نفس الكافر لا تُفتح لها أبواب السماء[35]. وغيرها من الفروق.
      وإلى جانب مفهوم النفس عالج الكاتب العشرات من المفاهيم الأخرى بنفس الطاقة الاجتهادية منها: مفهوم الأرض-مفهوم الإنسان-مفهوم الخلود- مفهوم العصمة- مفهوم التوبة- مفهوما الإيمان والكفر- مفهوم الفرقة الناجية-مفهوم الصحابة...
8
ثانيا:الاستخدام المكثف للمفاهيم والنظريات العلمية في تقريب القضايا التي فككها أو في تقرير الآراء التي ناقشها، ولعل تخصصه العلمي قد ساعده كثيرا، فهو يعتقد أن فهم الكثير من العلماء في تفسيراتهم سواء للنصوص الدينية المقدسة أو الظواهر العلمية كان يخضع للمعارف المتداولة في زمنهم، وعليه فإن "فهمنا الحالي يعتمد على معطيات العلم الحديث"[36].
      فعند مناقشته لمفهوم اليوم استعرض ما قرره العلم الحديث بشأنه ثم علق عليه قائلا: "اعتبار اليوم مقدارا من الزمن يُتم فيه جُرم ما حركة دورانية حول نفسه وسَّع من مفهوم اليوم ويقربنا أكثر لفهم معنى اليوم في القرآن الحكيم"[37]. وعلى نفس المنوال درج في تفسير وتقريب العديد من المفاهيم، ففي معرض مقابلته بين الصفات الإلهية والصفات الإنسانية يقول: "كل الصفات الواردة في الكتاب والسنة لمن تقدس وتبارك اسمه، قائمة ويجب الإيمان بها، وفي البعض منها نزر من الشبه مع صفات الإنسان.. إلا أن الشبه لا يعني التماثل ولا الندية.. بل هو على منوال التشابه الموجود رياضيا بين اللانهائي المحدود واللانهائي غير المحدود"[38].
      كما أنه ناقش الكثير من النظريات العلمية ووضعها على محك الاختبار سواء من الناحيتين العلمية التجريبية أو الدينية النقلية، ولمعرفة مدى اطلاع الرجل وتبحره في هذا المجال يكفي الرجوع إلى فقرة "بدء الخلق في العلم الحديث" حيث استعرض الكثير من النظريات الرائجة في الدوائر العلمية والثقافية العالمية وأسباب هذا الرواج العلمي لبعض النظريات دون أخرى.
      وعلى كل حال تبقى هذه أهم الأفكار الواردة في الكتاب وأبرز المعالم المنهجية التي اهتدى بها الرجل في مناقشة وتشريح القضايا المعرفية الشائكة المرتبطة بهذا الموضوع، وتبقى العديد من التفاصيل التي لا يمكن لهذه القراءة المختصرة أن تلم به، ومهما كانت الملاحظات والاختلافات التي لا يسع المرء إلا أن يسجلها مع الكاتب في العديد من الأطروحات فإن الكتاب قد اقتحم لُجة صعبة  ونجح في الغالب أن يعالج قضاياه بعُدة علمية ومعرفية مشهودة، وأن يخلخل الكثير من المفاهيم المتوارثة وأن يبعث على إعادة النظر فيها من جديد.
والله ولي التوفيق وهو يهدي إلى سواء السبيل.
وكتبه حفيظ هروس يوم الأربعاء 5 مارس 2015.
       





[1] -عبد الرحمان الكيحال، كتاب الموتى الإسلامي: بدء الخلق. Imprima Madre تطوان المغرب، الطبعة الأولى 2014. ص47.
[2] -أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب: وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده.
[3] - عبد الرحمان الكيحال، كتاب الموتى الإسلامي.. ص154.
[4] -البخاري، صحيح البخاري، كتاب  الأضاحي باب من قال الأضحى يوم النحر.
   مسلم، صحيح مسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال.
[5] - عبد الرحمان الكيحال، كتاب الموتى الإسلامي.. ص252.
[6] -الحديث: "أول ما خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر.." والحديث ضعيف عند قوم موضوع عند آخرين. أنظر: إسماعيل بن محمد العجلوني،كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس. طبعة مكتب القدس 1351هـ. 1/236-237. وكذلك 1/263.
[7] - عبد الرحمان الكيحال، كتاب الموتى الإسلامي.. ص203.
[8] -المرجع نفسه ص 252.
[9] -المرجع نفسه ص6.
[10] -المرجع نفسه ص252.
[11] -نفس المرجع والصفحة.
[12] -المرجع نفسه ص245.
[13] -المرجع نفسه ص41.
[14] -المرجع نفسه.
[15] -المرجع نفسه ص252
[16] -المرجع نفسه ص205.
[17] -المرجع نفسه ص86.
[18] -المرجع نفسه ص131.
[19] -. المرجع نفسه ص95.
[20] -المرجع نفسه ص166.
[21] - المرجع نفسه ص182.
[22] -المرجع نفسه ص90.
[23] -المرجع نفسه ص111.
[24] -صحيح البخاري، كتاب الاستئذان، باب بدء السلام. صحيح مسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها.
[25] -المرجع نفسه ص185.
[26] - إسماعيل بن محمد العجلوني،كشف الخفاء.. 1/265.
[27] - عبد الرحمان الكيحال، كتاب الموتى الإسلامي..ص56.
[28] -نفس المرجع والصفحة.
[29] -النقول من كتاب مرشد الحائر لبيان وضع حديث جابر، للشيخ أبي الفضل عبد الله بن محمد بن الصديق، طبعة دار المشاريع 1996.
[30] - عبد الرحمان الكيحال، كتاب الموتى الإسلامي.. ص250.
[31] -المرجع نفسه ص24.
[32] -نفس المرجع والصفحة.
[33] -المرجع نفسه ص33-34.
[34] -المرجع نفسه ص34.
[35] -استند في تقرير ذلك إلى مجموعة من الأحاديث يرجى الرجوع إليها في ص35 من الكتاب.
[36] -المرجع نفسه ص62.
[37] -المرجع نفسه ص60.
[38] -المرجع نفسه ص180.

الأربعاء، 28 يناير 2015

البشير الدامون، أرض المدامع.

البشير الدامون، أرض المدامع.
        أرض المدامع الرواية الثانية للمبدع التطواني البشير الدامون، وهي بمثابة الجزء الثاني لروايته الأولى "سرير الأسرار"، حيث تواصل بطلة الرواية مجهولة الاسم -المتماهي مع وضاعة أصلها "لقيطة" وخساسة منشئِها "بيت دعارة"- حياتها في صراع وجودي مع الذات، فما أن تنساب بها الأيام في دروب الحياة حتى تَهُبَّ عواصف الأحزان وآهات النفس العميقة لتقض مضجعها من جديد.
        تنفتح الرواية على فصول جديدة من حياة البطلة التي يَفعت وسافرت إلى مدينة فاس لاستكمال دراستها الجامعية حيث تلتحم بالمناضلين في ساحات النضال  متهمِّمة بقضايا الوطن غير عابئة بما قد يجره عليها عملها "الأرعن" من ويلات، شاهدة بذلك على فترة دقيقة من تاريخ الوطن داخل الجامعة وخارجها بعدما اندلعت انتفاضة الكرامة سنة 1984م ببعض المدن المغربية وما واكب ذلك من قمع شديد لهذه الانتفاضة والذي أودى بحياة المئات من الأبرياء وزج بالعديد من الآخرين في غياهب المعتقلات حيث تفنن السَّجانون في تعذيبهم والتنكيل بأجسادهم، وقد نال بطلتَنا قسطا وافرا منه.
        كما يبرز في الرواية أيضا صوت سردي جديد يمثله شخصية سيد القصر،هذه الشخصية الغريبة التي سيكون لها دور محوري في إنقاذ الشابة في طور مهم من حياتها، وقد جعله الكاتب أيضا شاهدا على فترة أخرى حساسة من تاريخ المغرب، وذلك بُعيد الاستقلال حيث هيمن الحزب الوحيد وسعى لإقصاء كل مخالف أو معارض له بالقوة والبطش. 
        والرواية تمتح بشكل غزير من قاموس الوجع ومعجم الحزن كعادة الكاتب في روايته الأولى، فالآلام والأحزان تطوق حياة البطلين ولا تترك لهما مجالا لالتقاط الأنفاس، إنما هي أحزان متواصلة ومصائب تترى.
        وعنوان الرواية نفسه يحيل على هذا المعنى ويؤكده "أرض المدامع": مدينة الأحزان عبر تاريخها الطويل منذ العهد الروماني، إذ المدامع عبارة عن أوعية زجاجية صغيرة لا يتعدى طولها نصف شبر جمعت فيه الملكة جونيا أورانيا دموعها حزنا على زوجها المغدور به، إذا كان من عادة الرومان أن يجمعوا الدموع في هذه الأشكال من الأواني عند فراق حبيب أو وفاة عزيز ثم انتقلت العادة بحكم الاحتكاك إلى شعوب مملكة موريتانيا الطنجية[1].
        يمكن القول أن الرواية تحكمها قضيتان بارزتان هما الهروب والفشل وذلك انسجاما مع الخط العام لطريقة كتابة الرجل لحد الآن على الأقل.
        فالهروب قضية مركزية في هذا العمل إن على المستوى النفسي الجواني أو على المستوى الاجتماعي البراني. فبطلتنا تواصل هروبها الخرافي من الضَّعة الاجتماعية التي ألقت الحياة بها بين أشواكها الحارقة، كما أن القدر أبى إلا أن يثقل جسدها بالهروب المادي من الملاحقات الأمنية، كأن عذابها النفسي لم يبلغ تمامه.
        والشيء نفسه عند بطل الرواية الجديد فهو غير قادر على الانفكاك من صور الفقدان العنيف لزوجته مرجانة "الكنز الحقيقي" التي تلاحقه وتنغص حياته، إضافة إلى كون جزء من حياته المادية قضاها هاربا خارج أرض الوطن خوفا من اضطهاد الحزب القوي بعد الاستقلال.
         أما قضية الفشل فلعلها المرآة التي يمكننا أن نعكس من خلالها لغة الإحباط التي تحكم مجموع أعمال مبدعنا، فلغة الحزن والمآسي والدمار تلتف على الرواية كما شجرة اللبلاب لتخنقها بين آهات الدموع ومرارة الواقع. حتى أننا يمكننا أن ننعت العمل بلا كبير وَجَل بأنه "مانفيستو الفشل": لقد فشلت الثورة اجتماعيا وفَشَلت قصص الحب لشخصيات الرواية كما فشل الصراع الطويل من أجل العثور على الكنز لتحل محله "المدامع الخمس" التي طبعت الرواية بنفسها الملحمي العميق.      


[1] - البشير الدامون، أرض المدامع ص157-158.

الاثنين، 29 ديسمبر 2014

د.جاسر عودة، الاجتهاد المقاصدي: من التطور الأصولي إلى التنزيل العملي.

د.جاسر عودة، الاجتهاد المقاصدي: من التطور الأصولي إلى التنزيل العملي.
الكتاب عبارة عن مجموعة من الأبحاث المتفرقة )خمسة فصول(  كتبها الرجل في مراحل زمنية مختلفة، لكنها تتعلق كلها بموضوع المقاصد لهذا ارتأى نشرها في كتاب واحد، بعضها حسن جيد وبعضها لم يكن الكاتب موفقا فيه غاية التوفيق، بل درج على النهج التقليدي في تناول موضوعات المقاصد ومباحثها مع بعض الإلماعات القليلة هنا أو هناك أو بعض التطبيقات المتوقعة المعهودة ويتعلق الأمر خصوصا بالفصل الأخير الذي خصصه لتنزيل مقاصد العقيدة على اسمَي الله المعطي والمانع من خلال حكم ابن عطاء الله السكندري، وكذلك الفصل الثالث الذي حقق فيه مسألة القول بجواز بقاء زواج المرأة التي أسلمت دون زوجها لتماشيه مع مقاصد الشريعة في الموضوع، فإنها مجرد تطبيقات جزئية مسبوقة باجتهادات أكثر جرأة سواء في عصرنا الحاضر أو تاريخنا الفقهي والتشريعي، لهذا لن أتعرض في هذه العجالة لهتين القضيتين.
      أما المباحث التي وُفق فيها الكاتب في استلهام روح جديدة للمقاصد بحيث تكون به فعلا مسايرة لواقع الناس ومفضية إلى استحداث الجديد في ظل الواقع المتشابك الذي يشهده العالم اليوم نجد الفصل الأول –أعتبره أفضل فصول مباحث الكتاب- الذي جَهد من خلاله الكاتب في "تحليل أثر رؤية العالم في ذهن المجتهدين المقاصديين في استقرائهم للمقاصد ونحتهم لمصطلحاتها"[1]، ومفهوم "رؤية العالم" عنده عبارة عن "منظومة ذهنية وإحساس بالواقع يشكلان نظرة الإنسان إلى ما حوله في الحياة وأسلوب تفاعله معه"[2]، وهو مفهوم حديث النشأة نسبيا، نشأ في الفلسفة الألمانية منذ قرن من الزمن.
      وقد أبان الكاتب من خلال تنزيل هذا المفهوم على قضايا المقاصد من خلال استقراء اجتهادات المقاصديين المختلفة عبر التاريخ الطويل لهذا العلم عن الأثر الواضح للواقع المعيش والتطورات الحادثة في كيفية صياغة العلماء لمقاصد الشريعة وتعبيرهم عنها، ومن أمثلة ذلك طريقة تعبيرهم عن ضرورة حفظ الضرورات الخمس المعروفة: الدين والنفس والعقل والنسل والمال.
      فبخصوص كلية الدين انتقل الأمر من مجرد المطالبة بحفظ الدين إلى ضرورة كفالة الحريات الدينية "فقد تحول حفظ الدين من مبدأ يقوم عليه "حد الردة" إلى مبدأ يضمن كفالة الحريات الدينية بالمعنى المعاصر"[3] ومن نتائجه المرجوة تعميم القبول بمبدأ الحرية الدينية وتناسي حد الردة، وانتقل التعبير عن كلية النفس من حفظ النفس إلى حفظ حقوق الإنسان بالمعنى المعاصر المتضمن للكرامة الإنسانية ولعل هذا يُشرع أمامنا الأبواب للقدرة على القول بكونية حقوق الإنسان، أما كلية العقل فانتقل التعبير عنها من حفظ العقل إلى تنمية الملكات العقلية والفكرية، فلم يعد الأمر مجرد صياغة حفظية بل صياغة تنموية للعقل البشري، وانتقل التعبير عن كلية النسل من حفظ النسل والعرض إلى بناء الأسرة وكلية المال من مجرد حفظ المال إلى ضرورة التنمية الاقتصادية بأبعادها المختلفة.
      أما المباحث التي لم يوفق فيها الكاتب في نظري فهي محاولته تقويم معايير البنك الدولي في تقييم قوة الاقتصاد المعرفي على ضوء المقاصد الشرعية والتي خصص لها الفصل الرابع، ومعايير البنك الدولي تتوزع على ثلاثة معايير رئيسة تنضوي تحتها عدة مقاييس جزئية، والمعايير الثلاث الكبرى هي: معدل الابتكار ومعدل التدريب والتعليم ومعدل تشجيع المؤسسات والشركات.
      ومعلوم أن هذه المعايير تضع الدول العربية والإسلامية في ذيل الترتيب العالمي نظرا للتخلف الشديد الذي تشهده هذه الدول مجتمعة بخصوص المعايير المذكورة الشيء الذي يعكس الإهمال الشديد الذي يعاني منه الاقتصاد المعرفي خاصة ومعدلات التنمية البشرية عامة في العالمين العربي والإسلامي.
      وإذ لم يرغب الكاتب في الخوض في أسباب هذا التخلف الهيكلي الذي تعاني منه الأمة فإنه في المقابل عوَّل على تقويم هذه المعايير وتصويبها بما ينسجم مع الرؤية الإسلامية المتضمنة في المقاصد الشرعية الكبرى، مما قد يكون له بعض الأثر في زحزحة تنصيف هذه الدول.
لكنني أعتقد أن الكاتب قد أخفق إلى حد ما في هذا التصويب وذلك للأسباب التالية:
أولا: أن اقتراح معايير جديدة للتصنيف تندرج ضمن المبادئ والأخلاق أكثر من اندراجها في مجال البحث والابتكار من قبيل الاستناد إلى الكيف قبل الكم باعتبار أن "الكيف أولى من الكم في ميزان الإسلام"[4] يعفي الأمة من الحاجة إلى الكم أيضا والتي هي مفتقرة إليه أشد الافتقار، ثم إن التشجيع على إنتاج الكم والوفرة يشمل ضمنا مسألة الكيف، أما التركيز على الكيف وحده فإنه يضيع مسألة الكم ويسقطنا في انتظارية مقيتة لمسألة الكيف التي قد تأتي أو لا تأتي.
ثانيا: انتقاد إدراج مدى قدرة المواطنين على الولوج إلى المعلومة وتحقيق التواصل السريع من خلال معدلات البنية التحتية التواصلية والإعلامية )عدد التليفونات لكل ألف نسمة- عدد أجهزة الحاسوب لكل ألف نسمة- عدد مستخدمي الإنترنيت لكل ألف نسمة( من خلال التركيز بدلا من ذلك على "كيفية استغلال هذه الشبكة وأنواع التطبيقات والصفحات المنشأة والمستدعاة من خلال الشبكة"[5]، يضفي الشرعية على واقع التفاوت الاجتماعي وسوء توزيع الثروات الذي ترزح تحت ويلاته الأمة بفعل الاستبداد والفساد، والصواب هو الإبقاء على معايير البنك العالمي وتعزيزها لأنها تكشف واقع الحال المهترئ في هذه الدول التي يستبد بخيراتها طغمة قليلة من الناس، بينما السواد الأعظم من المواطنين محروم من حقه في النفوذ إلى المعلومة والاتصال.
      بعد هذا العرض يتبقى لنا الفصل الثاني الذي اقترح فيه صاحبنا نوط الأحكام الشرعية بمقاصدها تدور معها وجودا وعدما إلى جانب العلة التي درج الفقهاء على نوط الأحكام الشرعية بها وعبَّر عن ذلك من خلال صوغ القاعدة التالية )تدور الأحكام الشرعية العملية مع مقاصدها وجودا وعدما كما تدور مع عللها وجودا وعدما([6]، لكن تحُول دون هذا الاقتراح صعوبات أهمها عدم وضوح التمييز الذي وضعه الكاتب بين مقصد الحكم والحكمة المرجوة منه، يقول: "الحكمة مصلحة تترتب على الحكم، أما المقصد فهو مصلحة أو مجموعة مصالح ينص الشارع أو يغلب على ظن المجتهد أنها المقصودة من الحكم، أي لولاها لما شُرع الحكم أصلا"[7]، فأنت ترى أنه عبر عن الأمرين بالمصلحة الشيء الذي يزيد الأمر التباسا لا وضوحا، كما أن الكثير من التطبيقات التي ساقها في الباب لا تخرج عن هذا الالتباس، ومن ذلك مسألة عطاء المؤلفة قلوبهم واجتهاد عمر في ايقاف هذا المصرف من الزكاة فمبناه على إعزاز الإسلام حسب ما صرح به ابن الهمام[8]، لكن قضية الإعزاز هذه هل هي علة الحكم كما قال ابن الهمام أم مقصد له حسب ما ذهب إليه الكاتب أم مجرد حكمة؟ فلا شك أن الإعزاز مصلحة ظاهرة لكن حملها على المقصد دون الحكمة مسألة فيها نظر.
      كما أنه يتعسف في تأويل معنى الحكمة على معنى المقصد ومن ذلك ما ذهب إليه ابن قدامة في معرض استبعاده اعتبار المرض علة للترخيص في لإفطار لأن المرض علة غير منضبطة فوجب العدول إلى الحكمة وهي خوف الضرر يقول: "وأمكن اعتبار الحكمة وهو ما يخاف منه الضرر فوجب اعتباره"[9]، لكن صاحبنا اعتبر أم مقصود الرجل بالحكمة هو المقصد، وهذا غير مسلَّم له.
      وهكذا نصل إلى التصريح بالنتيجة المرجوة من هذا النقاش وهو أن نوط الأحكام بمقصدها هو نفسه نوطها بحكمها إذ لا فرق، ومسألة اعتبار الحكمة في القياس سبق أن دعا إليها العديد من العلماء والمجتهدين منهم ابن قدامة في قوله السابق، ولعل غلط جمهور الفقهاء هو إصرارهم على اعتبار العلة دون الحكمة في القياس والاجتهاد وهو تضييق لواسع، وعليه فإن صاحبنا لم يأت بجديد في الموضوع. والسلام
      الاثنين 29 دجنبر 2014.



[1] -د.جاسر عودة، الاجتهاد المقاصدي: من التطور الأصولي إلى التنزيل العملي. الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى 2013.
[2] -المرجع نفسه ص16.
[3] -المرجع نفسه ص30.
[4] -المرجع نفسه ص119.
[5] -المرجع نفسه ص121.
[6]-المرجع نفسه ص73.
[7] -المرجع نفسه ص79.
[8] -المرجع نفسه ص51.
[9] -المرجع نفسه ص80.